الثلاثاء، 29 سبتمبر، 2009

أمن الدولة بمصر يمنع الصحفي والمدون السويدي (بير بركلاند) من دخول مصر ويحتجزه في المطار


بير صحفي ومدون سويدي مقيم بمصر منذ أكثر من ثلاثة سنوات وهو من أفضل من تناولوا الحركة العمالية المصرية في مواضيعهم، فوجئ (بير) لدى عودته من الخارج فجر اليوم، بأنه محتجز بمطار القاهرة وممنوع من دخول مصر والأسباب غير معروفة حتى الآن؛ حيث أنه لازال في انتظار أن يوضح له أحد أفراد الأمن أسباب احتجازه، ولم يعرف أكثر مما قاله له ضابط الجوازات الذي صادر جواز سفره :"اسمك موجود على الكمبيوتر".
حيث ينتظر بير في
في مطار القاهرة 1 ، صالة 3 بحسب سارة كار ومرعي منذ حوالي الواحدة والنصف فجراً، هذا وقد تم اخباره مبكراً هذا الصباح بأن الشرطة المصرية سوف تقوم بترحيله على أول طائرة متجهة الى براغ دون ابداء الاسباب أو شرح أي شئ

الحرية لبير
وليسقط النظام المرعوب


الأحد، 27 سبتمبر، 2009

سجين في وطني

لاتاسفنا على غدر الزمان لطالما ………رقصت على جثث الأسود كلاب
لاتحسبنا برقصها تعلو على اسيادها ….تبقى الأسود اسود والكلاب كلاب
صوره مؤلمه وألمها يصل الى أعماق قلب كل غيور .
انكسار كرامة النفس صعب جبره ..وكيف يجبر ماتحطم وأصبح أشلاء
يسير دجله والفرات حثيثاً في مجراهم يحكون قصة شعب يساق إلى سجنه الكبير
وسجنه وطنه ….
وطني اذا طالتني الخطوب تلحفت بردائه ونمت في أحضانه قرير العين ..
فكيف يحتويني وهو بحاجه الى من يحتويه ويعيد امجاده
سجين في ارضي وسجاني غريب اخذ مالي وقتل أهلي وقتلني وأنا حي
من يعيد لي كرامتي ..من يعيد أبنائي من يعيد.. ويعيد.. فخسائري اكبر من ان تحصى
فقير وأنا من أغنى الناس وهناك من سرق مالي…شجاع وكيف أمارس طقوس شجاعتي…
وألف بندقية جبان مصوبة الى راسي…..
همي اكبر من ان يقال ..وانكسار نفسي أصعب من يلتئم .
غريب في وطني ..
وان طال الظلام فلكل أمر نهاية ….
###
صورة جندي امريكي يقود عدد من المعتقلين العراقيين للأستجواب
حازت على جائزة افضل صوره ..التقطها شان سميث
مصور صحيفة الجارديان


مدونة بوح القلم
http://www.ro7r7n.com/bwhalkalm/


الأربعاء، 16 سبتمبر، 2009

الزاهد…الثائر…الفيلسوف….عمرو بن عبيد






*علامة بارزة علي طريق تطور العقل العربي المسلم….وعلم من الأعلام الذين صنعوا النشأة الأولي للتيار العقلاني في تراثنا قبل أن تعرف
العربية حركة الترجمة عن اليونان.

* وثائر في سبيل العدل والشوري تميز بنظرة خاصة لقضية الثورة ركزت علي ضرورة الإستعداد والتمكن والإعداد ورفضت الفوضي والتمردات.

ومع ذلك فهو زاهد…ناسك…عابد…سلكه الزهاد والمتنسكون في سلك أئمتهم كما تزينت باسمه صحائف الفلاسفة والمتكلمين والثوار!!

فلقد ذهب إلي بيت الله الحرام من البصرة للحج ماشياً علي قدميه أربعين مرة في أربعين سنة، ومعه راحلته-جمله- مخصصا إياه لركوب الفقراء والضعفاء!!

وضرب الناس المثل بزهده في المال – رغم فقره وحاجته- فقبل أن يلي أبوجعفر المنصور (95-158 هـ 714 -775 م) الخلافة كان تلميذاً له، وكان يجمع له نفقاته، فلما أصبح المنصور خليفة اختلفا ورفض صاحبنا أموال المنصور..ولما عرض عليه خالد بن صفوان –وهو من أصحابه- مالاً يقضي به حوائجه، رفض، ودار بينهما هذا الحوار:

ــ لم لا تأخذ مني مالاً، فتقضي دينا ، إن كان عليك، وتصل رحمك؟!
ــ أما دين: فليس علي …وأما صله رحمي: فلا يجب علي وليس عندي!
ــ فما يمنعك أن تأخذ مني؟!
ــ يمنعني: أنه لم يأخذ أحد من أحد شيئا إلا ذل له! وأنا ، والله أكره أن أذل لك؟!

ووضعه البلغاء علي رأس الذين أبدعوا في علوم العربية لوناً جديداً من ألوان البلاغة..بلاغة الموعظة والجدل والمناظرة التي نشأت مع نشأة الجدل بين علماء الكلام..وهو قد عرف هذه البلاغة عندما سئل عنها فقال :
“إنها تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المئونة علي المستمعين، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل في قلوبهم، بالموعظة الحسنة من الكتاب والسنة!!” وهي بلاغة كان يبكي عند سماعها السامعون.

*وذكر له جامعوا الحكم والمواعظ درراً ازدانت بها صفحاتهم، من مثل قوله” ذكر غضب الرب يمنع من الغضب”.

وقوله:” اللهم أغنني بالإفتقار إليك، ولا تفقرني بالإستغناء عنك! اللهم أعني علي الدنيا بالقناعة، وعلي الدين بالعصمة!”

وقوله ” أعيتني ثلاث خلال: تركي ما لا يعنيني ودرهم من حلال، وأخ إذا احتجت إلي ما في يده بذله لي؟!”

*وتذكره مصادر التاريخ العربي الأولي واحداً من الرواه ونقاد الروايات التاريخية وعالما بالسير والملاحم وأنباء الثورات والحروب.

*وذكر له الثوار كلماته الجامعة التي قالها عندما رأي رجال الشرطة في الدولة الأموية يسوقون إلي السجن رجلاً فقيراً هزيلاً لأنه سرق مالاً قليلاً، ثم عادوا به يقطعون يده، ومن حولهم تجمهر الناس يستطلعون…فسئل صاحبنا:
ــ ما هذا !؟
ــ إنه سارق يقطعون يده..
ــ لا إله إلا الله!!..سارق السر يقطعة سارق العلانية.

أما صاحبنا هذا…فهو : أبوعثمان، عمرو بن عبيد “80-144هـ” “699- 761م” كان أبوه: عبيد بن باب، واحدا من الموالي الذين أتت بهم إلي البصرة فتوحات العرب المسلمين لمدن فارس، ومدينة “كابل” الأفغانية علي وجه التحديد..كان من موالي بني العدوية، ومن قبيلة تميم. وأغلب الظن أن مولده كان بالبصرة…ففيها كان أبوه أحد الذين احترفوا صناعة النسيج…ثم ترك هذه الصناعة إلي التجارة..ثم هجر التجارة ليعمل جندياً في شرطة طاغية العراق، علي عهد بني أمية: الحجاج بن يوسف الثقفي(40-95هـ) (660-714م) ومع الحجاج وتحت سلطته أصبح عبيد بن باب واحداً من جهاز الدولة الظالمة وسوطاً من سياط الحجاج التي تلهب ظهور المسلمين..وفي مواجهة الحجاج وتسلطه برز عمرو بن عبيد عالماً زاهداً ورعاً، وأيضا ثائراً ينشد عودة “الشوري” إلي المجتمع، ورجوع “العدل” أساساً للحكم بين الناس..حتي لقد أصبح مع والده: التجسيد للنقيض مع النقيض! وكان عبيد بن باب إذا ما مر علي الناس وبصحبته ابنه عمرو، أشار الناس إلي الأب وقالوا: هذا شر الناس، أبو خير الناس!

النشأة الأولي

وكما هي العادة..فإن مصادر التاريخ ومراجعه لا تلبي حاجة الباحث عن النشأة الأولي لعمرو ابن عبيد ففجأة نلتقي به واحداً من أبرز أصحاب الحسن البصري(21-110هـ) (642-728م) ذلك الزاهد الثائر العالم الذي تنازعت فرق المسلمين ومدارسهم الفكرية عليه، تريد كل واحدة أن تنسبه إلي أئمتها وأعلامها……والذي خرجت من تحت عباءته ومن حلقة درسه بمسجد البصرة – ثورات وهبات وانتفاضات وأحزاب وفرق وتيارات!!

نلتقي بعمرو بن عبيد واحداً من أبرز أصحاب الحسن البصري وشهود حلقته ومدرسته في مسجد البصرة..وكانت قد تبلورت لهذه المدرسة، في النصف الثاني من القرن الأول الهجري ملامح فكرية ميزتها عن غيرها من التيارات التي كانت تتصارع في الساحة بالمجتمع العربي علي عهد الأمويين.

- فالأمويون منذ عهد معاوية بن أبي سفيان (20-60هـ) (603- 680م) أشاعوا فكرة “الجبر” وشجعوا القائلين به، كي يبرروا التغيرات التي أحدثوها في نظام الحكم الذي حولوه من “الشوري” و”الاختيار” إلي “الملك الوراثي”…..وكي يبرروا كذلك المظالم الاجتماعية والسياسية والاضطهادية التي أصابوا بها خصومهم، والتي بلغت قمتها في القتل الجماعي للخوارج، والمحنة الدائمة للشيعة، ومأساة استشهاد الحسين في كربلاء…..
- وأمام فكرة “الجبر” هذه، أخذت مدرسة الحسن البصري تشيع الفكر الإسلامي النقي، الذي ينحاز بالكامل إلي حرية الإنسان واختياره ومسئوليته، واتهمت دعاه ” الجبر” بأنهم يلحقون شبهة “الجور” بالذات الإلهية، إن هي حاسبت الناس علي أعمال هي التي “أجبرتهم” علي اتيانها…”فالعدل”- وهو من صفات الله- يقتضي تقرير الحرية والاختيار والمسئولية للانسان…
- وفي تيار “أهل العدل” هذا نجد عمرو بن عبيد واحداً من أبرز الأعلام……بل لقد أكدت المصادر الأولي لتاريخ هذا التيار أن رائده كان هو الفيلسوف الثائر معبد الجهني، عبدالله بن حكيم (المتوفي سنة 80 أو سنة 90هـ)……..وإن الذي قاد هذا التيار بالبصرة، بعد معبد الجهني هو عمرو بن عبيد…….بل تذكر هذه المصارد أن تيار” أهل العدل” قد قوي وزاد أنصاره عندما تولي عمرو بن عبيد قيادته، ذلك أن زهده وورعه ونبوغه قد أجتذب إلي صفوف ذلك التيار أنصاراً كثيرين…………..وبعبارة القدماء: فإن أهل البصرة قد اعتنقوا هذا الفكر ” لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله!”.
- والأمويون- كذلك- شجعوا تلك الفرقة التي سميت “بالمرجئة” والتي أرادت صرف الناس عن الجدل حول عقائد بني أمية، بصرفهم عن ربط الأعمال بالاعتقادات، والفصل بين النظرية والتطبيق!…فلم يكن هناك من ينكر أن حكام بني أمية يرتكبون الظلم ويقترفون السيئات ويفعلون الذنوب الكبائر…وأمام هذه الحقيقة حكم الخوارج عليهم بالكفر…فطالب “المرجئة” بإرجاء الحكم علي العقائد، والفصل بين العمل وبين الاعتقاد وإرجاء كل ذلك إلي حساب الله سبحانه يوم الدين!
- ولقد تحفظ تيار العدل- وفيه عمرو بن عبيد- علي تطرف الخوارج، ثم رفض تبرير “المرجئة” وحكم علي مرتكبي الذنوب الكبائر، غير التائبين منها بالفسق والنفاق…
- ولقد شاعت في المجتمع يومئذ بقايا أفكار المذاهب والديانات القديمة التي تميل إلي تشبيه الذات الإلهية بالمخلوقات والأشياء وتتحدث عن “حلول” هذه الذات و”اتحادها” بغيرها من الأشياء…
- وأمام تيار “التشبيه” هذا قدم أهل “العدل” صياغاتهم الفكرية التي عرضت نقاء فكرة التوحيد كما جاءت في القرآن، فرفضوا كل ما يؤدي إلي إلحاق شبهة التشبيه والتجسيد والحلول والإتحاد بذات المولي سبحانه، وأرسوا دعائم فكر التنزيه والتجريد في العلوم الإلهية، لبنه أولي ودعامة أساسية من اللبنات والدعائم التي قام عليها علم التوحيد الاسلامي….ومن هنا كانت شهرة هذا التيار باسم”أهل العدل والتوحيد”…أي القائلون بالحرية والاختيار للإنسان، والتنزيه للذات الإلهية عن مشابهة المخلوقات….هكذا نلتقي بعمرو بن عبيد علماً من أعلام أهل “العدل والتوحيد”….
في قيادة المعتزلة
حتي إذا كان العقد الأول من القرن الثاني الهجري، جاء إلي البصرة ـ من المدينة ـ واصل بن عطاء (80 ـ131هـ) (699ـ 748م) وهو من دعاة “العدل والتوحيد”…ولكنه جاء يبشر بإضافة جديدة فيما يتعلق بالموقف من بني أمية وتقيم أعمالهم ومايترتب عليها…فهو مثل رفاقه يرفض تطرف” الخوارج” وتفريط “المرجئة”…ولكنه يرفض كذلك الاكتفاء بوصف مرتكبي الذنوب الكبائر بوصف “النفاق”…فهم عنده ليسوا كفرة، لأنهم يرثون ويورثون، ويدفنون في مقابر المسلمين…الخ…وهم ليسوا منافقين، لأنهم أصحاب مظالم معلنة….وهم ليسوا بمؤمنين، لأنهم افتقروا إلي الإتصاف بصفات المؤمنين كما حددها القرآن الكريم…إذن فهم في موقف وسط بين الكافرين والمؤمنين، وفي “منزلة بين المنزلتين” اللتين ينزلهما أهل الكفر وأهل الإيمان….

وفي حلقة الحسن البصري بمسجد البصرة عرض واصل أفكاره…ودار من حولها الجدل…..فتبعه فريق من العلماء والطلاب…..ودارت بينه وبين عمرو بين عبيد مناظرة حامية وشهيرة أفضت إلي انتصار واصل، فتبعه عمرو وانخرط معه في قيادة تيار “المنشقين” علي حلقة الحسن البصـــري” المعتزلين” لمذهبه في الموقف من بني أمية ومرتكبي المظالم والذنوب الكبائر…وسموا، منذ ذلك الحين، ولذلك السبب ب”المعتزلة” أهل العدل والتوحيد.

وكان عمرو بن عبيد أبرز قادة المعتزلة في البصرة…والرجل الثاني في مدرستهم الفكرية – بعد واصل علي الإطلاق……

وعندما توفي واصل بن عطاء (131هـ - 748م) تولي عمرو بن عبيد القيادة السياسية والفكرية لتيار المعتزلة…..وكان ذلك التيار قد اجتذب إلي صفوفه – بعد وضوح تشدده في معارضة مظالم بني أمية وظلمهم ـ أنصاراً جدداً كثيرين، وخاضة من شيعة آل البيت، فانخرط في (الاعتزل) شباب آل البيت وفتيانهم، متخلين بذلك عن نهج الشيعة الإمامية الذي بشر به قائدها جعفر الصادق (80- 148هـ) (699-765م) في القعود عن الثورة والتحذير من عواقبها…كما انضم إلي الإعتزال أيضاً شباب بني هاشم، ومنهم العباسيون وكان ضمن الذين انضموا وتتلمذوا علي يدي عمرو بن عبيد: أبوجعفر المنصور(95- 158هـ) (714- 775م) قبل أن يتولي الخلافة العباسية……بل كان يتولي جميع نفقات عمرو من المريدين، ويظهر الميل الشديد له، ويكن له أعظم الود والاجلال والتوقير…

مع الثورة ضد بني أمية

ورغم أن عمرو بن عبيد، وعددا كبيراً من قادة (المعتزلة) كانوا ينحدرون من أصول عرقية غير عربية - موالي- إلا أن مواقفهم الفكرية والسياسية قد برئت من الفكر الشعوبي المعادي للعروبة، بل لقد بشروا ببواكير الفكر القومي العربي، عندما رفضوا كلا من الشعوبية والعصبية العربية الضيقة الأفق، التي استثمرها بنوأمية، واضطهدوا تحت ستار أبناء الشعوب التي فتح العرب والمسلمون بلادها…وقدم المعتزلة بديلاً جديداً لهذين الموقفين المتطرفين، والخاطئين، عندما بشروا بمفهوم حضاري للعروبة ينظرون من خلاله للعادات والتقاليد والثقافة باعتبارها صلات ووشائج تفوق في قوة توحيدها وتأليفها بين الناس قوة الأنساب والعروق والأرحام…وبعبارة الجاحظ (163- 225هـ) (780- 869م) – وهو من أعلام المعتزلة – فإن هذه الروابط الحضارية، بالنسبة للعرب والذين تعربوا هي بمثابة الرحم الواحد ولدتهم منه العروبة ولادة جديدة، كي يؤلفوا معا مجتمعهم الواحد والجديد!

ومن هنا فلم يتعصب عمرو بن عبيد ولم تتعصب المعتزلة ضد الأمويين…عارضوهم…نعم…وثاروا ضدهم…ولكن دون تعصب يطمس الايجابيات ويغفل عن نقاط الاتفاق والالتقاء…

فعندما تولي الخلافة الخليفة الأموي العادل عمر بن عبدالعزيز (61-102هـ) (681- 730م) أيده المعتزلة، وساندوه وتولي غيلان الدمشقي (المقتول بعد سنة 106هـ) معاونته في مصادرة أموال بني أمية وبيعها في مزاد عام، لحساب الأمة، في ميادين دمشق…وعندما تسائل البعض: كيف تعترف بإمامة عمر بن عبدالعزيز وهو قد تولي الخلافة بالميراث ودون شوري؟!…كان جواب عمرو بن عبيد في تشخيص هذا الوضع “الدستوري” الفريد : لقد ” أخذ عمر بن عبدالعزيز الخلافة بغير حقها، ولا باستحقاق لها- ولكنه استحقها بالعدل حين أخذها” فهو لم يصبح إماما بالتفويض والبيعة المتقدمة من قادة الأمة، ولكنه أصبح إماماً بالرضا المتجدد من أهل الفضل والحل والعقد، الذين ناصروه، وأثنوا علي ما أحدث في الدولة والمجتمع من تحولات.

وعندما انخرط الأمير الأموي: يزيد بن الوليد (86-126هـ) (705-744م) في تيار المعتزلة، وعقدوا له البيعة بالاختيار، ثم ثاروا تحت قيادته ضد حكم الخليفة الأموي الماجن: الوليد بن يزيد (88-126هـ) (707-744م) لم يتردد عمرو بن عبيد وهو بالعراق في تأييد الثورة التي قامت بدمشق الشام، ومساندتها فدعا أصحابه الي تكوين جيش يقوده هو، يخرجون به إلي الشام ثائرين، ناصرين للثوار الذين يقودهم أمير أمـــوي…وقال عمــرو لأصحــابه ” تهيأوا حتي نخرج إلي هذا الرجل فنعينه علي أمره”

وعندما سئل عمرو بن عبيد عن تقييمه لفترة حكم هذا الخليفة الثائر، وعن استحقاقه صفة “الإمامة” بشروط المعتزلة لها وفيها، كان جوابه: “أنه الكامل! عمل بالعدل! وبدأ بنفسه، وقتل ابن عمه في طاعة الله، وصار نكالاً علي أهل بيته، ونقص من أعطياتهم ما زادته الجبابرة، وجعل في عهده شرطاً ولم يجعله جزما”
فمؤهلات هذا الأمير الثائر، التي استحق بها الإمامة علي مذهب عمرو بن عبيد: 1- العدل…وهو قد مارسه، وبدأ فيه بنفسه. 2- وقاد الثورة ضد أمراء بيته الأموي…وقتل خليفتهم: ابن عمه. 3- واقتص للناس من بني أمية. 4- وإعادة توزيع الثروات بالعدل، وانقص الأعطيات التي زادها الجبابرة من خلفاء الأمويين. 5- وعندما بايعه الناس بالخلافة، جعل عهد بيعته واستمرارها مشروطاً بطاعته لله وعدله في المجتمع، وقيامه بالعدل بين الناس، ولم يجعلها بيعة جازمة مؤبدة كما كان يفعل سابقوه!

ومن هنا فهو إمام…وإمام كامل…كما يقول عمرو بن عبيد…ومن هنا فهو معدود في سلسلة الأئمة الذين استحقوا الإمامة علي مذهب المعتزلة…

أزمة علاجها الشوري

فلما دخلت الدولة الأموية في دور الاحتضارتحت الضربات القوية التي أثمرتها ثورة الخوارج، وخاصة الخوارج الأزارقة بدأت الأطراف السياسية المختلفة تضع في جدول أعمالها قضية: من يخلف بني أمية في منصب الخلافة وحكم الامبراطورية؟؟..

أما القوي الشعوبية، وعلي رأسها جند خراسان الذين يقودهم أبومسلم الخراساني(137هـ- 754م) فإنهم انخرطوا في تيار الثورة يبغون الانتقام من العرب فتحوا بلادهم وأذاقوهم مرارة التعصب، الذي مارسه الأمويون….وأما شيعة آل بيت الرسول ومعهم عامة بني هاشم فإنهم ثاروا، هم كذلك، طالبين أن تكون الخلافة في ” آل محمد” دون تحديد لشخص الخليفة المنشود…كما انخرطت في جموع الثورة ومواكبها وشاركت في معاركها المسلحة جموع وقبائل وتيارات تباينت غاياتها واتفقت فقط علي الرغبة في التغيير، طمعاً في أن يأتي فجر العدل بعد ليل الظلم الأموي الطويل!

وهنا تقدم المعتزلة – الذين شاركوا في الثورة بمشروع محدد ومدروس فلقد أعلنوا، علي لسان قائدهم عمرو بن عبيد، أن آفة نظام الحكم الأموي قد بدأت مع معاوية بن أبي سفيان، يوم أحدث انقلابه الدامي الوراثي…ومن ثم فلابد من إعادة “الشوري” فلسفة لنظام الحكم، واختيار خليفة تُعقد له البيعة بالرضا والاختيار…قرروا ذلك، وأعلنوه ودعوا إليه مختلف الفرقاء…

ولقد تحفظ فريق من الشيعة الإمامية علي هذا المشروع، لأن المعتزلة هم الذين تقدموا به، ولأن الخليفة المرشح كي تعقد له البيعة – محمد بن عبدالله بن الحسن النفس الزكية- وإن يكن من آل البيت إلا أنه معتزلي…وزعم هذا الفريق أن لديه “صحيفة” سماوية قد دونت بها أسماء الأئمة والخلفاء، وليس النفس الزكية من بينهم!

ولكن المعتزلة، ومعهم تيار قومي عربي مؤثر، قد مضوا في سبيلهم رغم تحفظ رأس الشيعة الإمامية: جعفر الصادق ( 80-148 هـ) (699-765م) لأنهم أبصروا الخطر الشعوبي الذي كان يحمل في السياسة فكراً “ملكيا” من مواريث الكسروية الفارسية، ولا يذهب مذهب المعتزلة في “الشوري” و”الفكر القومي العربي المستنير” فدعا عمرو بن عبيد إلي مؤتمر جامع عقد بمكة، وعرض فيه اقتراحه فقال: ” …إننا قد نظرنا، فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروءة ومعدن للخلافة، وهو محمد بن عبدالله بن الحسن…فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثم نظهر أمرنا معه، وندعو الناس إليه، فمن بايعه كنا معه وكان معنا، ومن اعتزلنا كففنا عنه، ومن نصب لنا – (عادانا وحاربنا)- جاهدناه ونصبنا له علي بغيه، ونرده إلي الحق وأهله…”

وبايع جمهور الحاضرين في هذا المؤتمر(للنفس الزكية) بالخلافة، وبدأت تعقد له البيعة في المدن والأمصار والأقاليم…وأخذت قوات أموية تطرق إليها اليأس في قتالها ودفاعها عن الدولة المحتضرة، أخذت تفكر في البيعة للخليفة الجديد…وكان أمراء البيت العباسي الهاشمي – ومنهم أبوالعباس (السفاح) ، وأبوجعفر المنصور- من رجالات المعتزلة يومئذ ومن حضور مؤتمر مكه، ومن الذين بايعوا (النفس الزكية) بالخلافة مع المبايعين.

ولكن التيار الشعوبي نجح في اجهاض مسعي المعتزلة وحلفائهم، وعندما تخلص من القيادة القومية في حركة الثورة المقاتلة، ممثلة في أبي سلمة الخلال، باغتياله سنة 132هـ ثم استقطب من الهاشمين فرعاً طامعاً في السلطة هو الفرع العباسي، فعقدا معاً صفقة سياسية: أن يزيح من طريق الثورة تيارها القومي وقيادتها المعتزلية العقلانية، وأن يظل نظام الحكم ملكيا وراثياً، مع استبدال بني العباس ببني أمية، وأن تكون اليد العليا في النظام الجديد للجند الخراساني الذي يقوده الشعوبيون…

وتداعت الأحداث التي نصرت ذلك المخطط…ووثب إلي منصب الخلافة “معتزلي مرتد” هو أبوالعباس السفاح (104- 136 هـ) (722- 754م) ثم لم يلبث أن توفي ليخلفه في الخلافة التلميذ القديم لعمرو بن عبيد: أبوجعفر المنصور.

المقاومة السلمية

ووجد عمرو بن عبيد تلميذه القديم يتولي الخلافة، ويطارد بالسجن والقتل والتعذيب، رجال المعتزلة، وكل الذين ظلوا أوفياء لفكرة الشوري، وأمناء للبيعة التي أعطوها للنفس الزكية…ووجد التلميذ القديم نفسه في مواجهة التيار الفكري الذي انخرط فيه يوماً، والذي يقوده الزاهد العابد الناسك: عمرو بن عبيد، استاذه الذي لم تزل الخلافات الجديدة ما استقر له بنفسه من إجلال وتوقير…فبدأت مرحلة من الصراع المعلن الصامت، والأخذ والجذب، والتوجس والريبة بين رجلين جمعتهما يوماً ووحدتهما الفكرة والقضية والفلسفة والاتجاه…

فالمعتزلة أخذ فريق منهم يستحث عمرو بن عبيد كي يعلن الثورة المسلحة ضد حكم المنصور العباسي…ولكن الرجل- مع إيمانه بالثورة، ضرورتها ومشروعيتها وتوافر دواعيها- كانت له تجارب مباشرة وغير مباشرة، جعلته يستحضر ذكريات الثورات العديدة التي قامت ضد الأمويين ثم فشلت، وما جرته علي أصحابها من ويلات وآلام……فدعا إلي نظرية في الثورة تطلب: ” الإعداد والإستعداد” وسماها : (التمكن)…فهو لا يحبذ التمرد الذي يفضي إلي الفشل، بل يطلب الإعداد الذي يضمن للثوار (التمكن) من بلوغ الغاية التي يريدون…ولقد كانت عينه تريد وقلبه يبغي أن يتوفر للثورة نفر من ثابتي العقيدة أقوياء الايمان شديدي البأس يبلغون في العدد مبلغ الذين قاتلوا مشركي قريش يوم بدر مع رسول الله….فطلب ألا تعلن الثورة حتي يبلغ مقاتلوها، في العدد والصفة، مبلغ البدريين!! وفي هذا السبيل تحمل عمرو مُر النقد، بل والهجوم من نفر من المعتزلة فأبو عمرو الزعفراني ينتقده، ويدور بينهما حوار يبدأه الزعفراني بقوله:
إني أخالك جباناُ!! ….ولم؟!……لأنك مطاع ولا تناجز هذا الطاغية؟؟!!

ويحك! هل الجند أشد من جندهم؟…ورجالي أشد من رجالهم؟ أما رأيت صنيعهم بفلان، وخذلانهم لفلان؟ والله لوددت أن سيفين اختلفا في بطني حتي يبلغا منحري، كلما انتهيا إلي ذلك أعيدا، وأن الناس أقيموا علي كتاب الله وسنة نبيه!”


والمنصور يتوجس خيفة من استاذه القديم، ولكنه يفرح بعض الشيء ويطمئن بعض الاطمئنان لنظرية ضرورة (التمكن) هذه…….فأني لعمرو بن عبيد نيف وثلاثمائة مقاتل في عزمه وصلابته ويقينه، كما كان لرسول الله يوم بدر عندما التقي الجمعان؟!

ويحاول المنصور تضييق الفجوة بينه وبين المعتزلة، سالكا طريق علاقاته القديمة بعمرو بن عبيد، فهو يريد أن يجمع له نفقاته، كما كان يفعل قديماً..ولكن عمراً يرفض بإصرار عطاء الخليفة المنصور!

ثم يدخل المنصور مباشرة، إلي لب الخلاف في القضية، فيطلب من عمرو أن تعترف المعتزلة بالأمر الواقع. فلقد أصبح الحكم بيد بني العباس، وكثيرون حتي من الذين بايعوا للنفس الزكية، قد أعطوا المنصور بيعتهم، رغبا أو رهبا!! ولم يبق –في نظر المنصور- إلا أن يتعاون المعتزلة مع النظام الجديد، ويسهمون في نظام الدولة وحركة التغيير…ولكن عمرو بن عبيد يرفض التعاون، بل ولا يتسامح مع أي معتزلي يدخل جهاز الدولة الجديد!
ولكن المنصور لا ييأس…..فاستدعي عمرو بن عبيد، وأعلن له أنه يفوضه في أن يولي أصحابه المناصب التي يريد……فرفض عمرو مرة أخري، وأنبأه أن وجوده منصب الخلافة وجهاز الدولة في قبضة الجند الخراساني –(الشياطين) –عقية لا تنفع في تذليلها مثل هذه التفويضات لأن الأساس خاطيء، والقوة المهيمنة والضاربة تقف من فكر المعتزلة موقف العداء….ودار بين الرجلين هذا الحوار الذي بدأه المنصور بقوله:

“يا أبا عثمان، ائتني بأصحابك أستعين بهم”
“أظهر الحق يتبعك أهله! ومر عمالك بالعدل والانصاف…”
“إني لأكتب لهم، فآمرهم بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله، فإذا لم يعملوا فما عسانا نفعل؟!
إنك لتكتب إليهم في حوائجك فينفذونها، وتكتب إليهم في طاعة الله فلا ينفذون؟! إنك لو لم ترض من عمالك إلا بالعدل لتقرب به إليك من لا نيه له فيه….إن الملوك بمنزله السوق، وإنما يجلب إلي السوق ما ينفق فيها!…إن حاشيتك اتخذوك سلما لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين، وغيرك يحلب!…إن هؤلاء لن يغنوا عنك من الله شيئاً!!

فيرد المنصور ” هذا خاتمي – ونزع المنصور خاتم الملك- خذه، وول من شئت، وأئت بأصحابك أولهم!…

إن أصحابي لا يأتونك وهؤلاء الشياطين-(الخراسانية الشعوبية)- علي بابك، فإن هو أطاعوهم أغضبوا الله، وإن هم عصوهم أغروك وألبوك عليهم….أدعنا بعدلك تسخ أنفسنا بعونك!…ببابك ألف مظلمة، أردد منها شيئا نعلم أنك صادق؟!..
وعند هذا الحد من الحوار الساخن بين الاستاذ الزاهد العابد الناسك الثائر، وبين تلميذه القديم، الذي أصبح ملكاً يعادي رفاق كفاحه ويتعقبهم بالسجن والنطع والسيف ومختلف صنوف العذاب…عند هذا الحد أراد عمرو بن عبيد الانصراف…فرغب المنصور أن يقبل عمرو منه مالاً، ودار بينهما فصل جديد في الحوار، بدأه المنصور:
“قد أمرنا لك بعشرة آلاف….” فيرد عمرو ” لا حاجة لي فيها!” فيقول المنصور” والله لتأخذنها!” ” لا، والله لا آخذها”

وكان المنصور إمعانا في تكريس نظام الملك الوراثي، قد عين ابنه” المهدي” ولياً للعهد…..وكان شاهداً لحوار أبيه مع عمرو بن عبيد……فاستعظم أن يرفض رجل عطاء أبيه الخليفة، واستنكر أن يرد انسان يمينا حلفها المنصور، فتدخل في الحوار، مخاطبا عمرو بن عبيد، ومستفهماً في إنكار واستنكار.

“يحلف أمير المؤمنين، وتحلف أنت؟!”
“(فتسائل عمرو): من هذا الفتي؟!

“هذا محمد ابني، وهو المهدي، وهو ولي عهدي!
“أما والله لقد ألبسته لباساً ما هو من لباس الأبرار، ولقد سميته باسم ما استحقه عملاً..! ولقد مهدت له أمراً-ولايه العهد- أمتع ما يكون به،اشغل ما يكون عنه! –(ثم التفت عمرو إلي المهدي، ولي العهد، وقال): نعم، يابن أخي، إذا حلف ابوك أحنثه عمك! لأن أباك أقوي علي كفارات اليمين من عملك!!

ومرة ثانية…أراد عمرو الانصراف…

ولكن المنصور أراد أن يسبر غوره، ويعلم موقفه من الثورة التي يعد لها النفس الزكية، والتي اختفي عن العيون والجواسيس كي ينجز لها العدة والعتاد…وكان المنصور علي يقين من صدق عمرو واستحالة الكذب علي لسانه…فسأله:

“بلغني أن محمد بن عبدالله بن الحسن – (النفس الزكية)- كتب إليك كتاباً!
“قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه!!
“أجبته؟…-(أي استجبت لرأيه في الثورة المسلحة، وتجريد السيف ضدي؟)
“ألست قد عرفت رأيي في السيف – (الثورة المسلحة)- أيام كنت معنا؟!
“أفتحلف؟!
“إن كذبتك تقية – أي اتقاء للضرر- لأحلفن لك تقية؟!!
“أنت والله، الصادق البار!!”

عند هذا الحد من الحوار بدت رغبة عمرو بن عبيد شديدة في الانصراف…فسأله المنصور: “فهل لك من حاجة؟ ….نعم…لا تبعث إلي حتي أجيئك!!

إذا لا تلقني أبدا؟!….هذه هي حاجتي!”
ونهض عمرو منصرفا تشيعه نظرات الإعجاب من المنصور، ونظرات العجب والدهشة من حاشيته، الذين شهدوا من جرأته مالم يعهد مجلس الخليفة من قبل…فأراد المنصور أن يبدد عجبهم ودهشتهم، فنظر إليهم، بعد أن ودع – واقفا- استاذه القديم…وقال لهم:
كلكم يمشي رويد …..كلكم يطلب صيد…..غير عمرو بن عبيد

ولقد ظل المنصور قلقاً، تتوزعه الأفكار…فهو يثق بصدق استاذه القديم فيما قاله من أن مذهبه في استخدام السيف –أي القوة- في تغيير النظم والدول معروف…ولكن…ما يدريه أن تجتمع لثورة النفس الزكية شروط الاستعداد والتمكن فيمنحها عمرو بن عبيد البركة التي تدعمها بالقوة والأنصار! ومن هنا، وحتي يطمئن قلبه، زور كتابا علي لسان النفس الزكية، وبعث به رسولا إلي عمرو بن عبيد، وهو يجلس ليعلم في مسجد البصرة، كالمعتاد….فلما نظر عمرو في الكتاب، طواه، وأدرك ما وراءه، فرفع بصره إلي الرسول وقال له: ” قل لصاحبك: دعنا نجلس في هذا الظل، ونشرب من هذا الماء البارد حتي تأتينا آجالنا في عافية؟!”
وبقدر ما كان المنصور ينجح في حرمان قوي الثورة الاعتزالية من شروط (التمكن) كما يراها استاذه القديم بقدر ما كان اطمئنانه لموقف استاذه يزداد…فلقد قال له يوما قائل:

“إن عمرو بن عبيد خارج –ثائر- عليه….(فأجابه)-:
“هو لا يري أن يخرج علي إلا إذا وجد ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً مثل نفسه…وذلك لا يكون؟!”ظلت هذه الأفكار والنوازع والهواجس تتنازع المنصور…وهو دائب السعي لاجهاض استعداد المعتزلة للثورة…بالسجن والتعذيب والقتل والحصار والمطاردة والتجويع…بالترغيب وبالترهيب…وأيضا بحصار عمرو بن عبيد والحد من نفوذه الطاغي علي أنصاره ومريديه…

وعندما أدركت الوفاة عمرو بن عبيد في الطريق إلي مكه، سنة 144 هـ 761م، ودفن في “مران” – علي بعد مسيرة ليلتين من مكة- تنازعت المنصور مشاعر متباينة وأحاسيس شتي…

- فهو قد حزن لموت انسان ليس كمثله كثيرون.
- ثم هو قد تخلص –بالموت- من خصم كان موقفه في صفوف المعارضة عبئاً ثقيلاً علي الدولة ونظامها…
- ولكنه أصبح بخاف الثورة أكبر من ذي قبل…فلقد مات صاحب نظرية (التمكن) وضرورة الصبر في الإعداد والاستعداد…,انفتح الباب أمام الشاب المتعجل للثورة ضد بني العباس..
- ولكن…لعل في التعجل والتعجيل بالثورة الخير كل الخير للدولة…ففي ذلك حتف الثوار واجهاض الثورة الأكيد…لكن هذه الأحساسيس جميعها لم تدع أية شائبة تشوب الصورة القدسية لعمرو بن عبيد في نظر تلميذه وخصمه أبي جعفر المنصور…حتي إذا سافر إلي مكة، وأبصر في الطريق قبر أستاذه ب”مران”، توقف بركبه، وصنع مالم يصنعه خليفة من قبله…إذ رثي –وهو أمير المؤمنين- رجلاً لم يتول في يوم من الأيام منصباً من المناصب، فضلا عن أن يكون هذا المنصب مساوياً أو مقارباً لمنصب أمير المؤمنين…وقف التلميذ أمام قبر استاذه وقال:


صلي الإله عليك من متوسد قبراً مررت به علي مران
قبراً تضمن مؤمنا متحنـــفاً صدق الإله ودان بالفرقـان
فلو أن هذا الدهر أبقي صالحا أبقي لنا حيا اباعثمـــــــــان

واندلعت ثورة المعتزلة، بقيادة النفس الزكية، ضد المنصور سنة 145هـ…بعد عام من وفاة قديسهم وزاهدهم وناسكهم وعالمهم وقائدهم: عمرو بن عبيد…رحمه الله !
منقول من كتاب “مسلمون ثوار” للدكتور والمفكرالإسلامي محمد عمارة

لماذا مدرسة أهل العدل والتوحيد بالذات…؟


المفكر الإسلامي الكبير د. محمد عمارة يكتب في مقدمة كتابه الشهير رسائل العدل والتوحيد يجيب عن السئوال المهم : لماذا منهج المعتزلة، مدرسة أهل العدل والتوحيد……..


من الذي ينكر أن في تراثنا الفكري والثقافي مدرسة متميزة أعلت من قدر العقل، وقدمت ثمار تفكيره الناضج عليقدسية النصوص، وهي مدرسة المعتزلة، أهل العدل والتوحيد؟

إننا إذا شئنا أن نقدم لأجيالنا الحاضرة والمستقبله تراثاً يمجد العقل، ويؤصل فكرنا العقلي المتقدم، ويشع في صفوفنا مناخاً يساعد علي ازدهار التفكير العلمي، فلابد لنا من البحث عن البقايا التي تركها الزمن وخلفتها أحداثه من تراث أهل العدل والتوحيد، وإحياء هذه الآثار ونشرها بين الناس.
وأننا إذا شئنا أن نزيل من حياتنا الآثار الضارة للتواكل والاتكالية والسلبية بل والأنانية، وأن نشيع روح المسؤلية لدي أنساننا العربي المسلم المعاصر، فلابد وأن ندعم قيم الحرية والمسئولية التي نقدمها له اليوم، بذالك التراث الغني الذي قدمه أهل العدل والتوحيد في ميدان حرية الإنسان ومسئوليته عن أعماله ونتائجها، وكيف أنه حر مختار صانع لأعماله، بل خالق لها، علي سبيل الحقيقة لا المجاز، كما قرروا ذالك منذ قرون وقرون؟.

وأننا إذا شئنا تنقية معتقداتنا الدينية وشعائرنا الروحية من مظاهر الوثنية التي عادت بحكم القصور العقلي وترسبات البيئة إلي الاعتداء علي نقاء التوحيد الإسلامي، في أرقي صوره، كما جاء به القرآن الكريم، فلابد لنا من الانتفاع بالخصوبة الفكرية التي قدمتها لنا مدرسة أهل العدل والتوحيد.

وأننا إذا شئنا خلفية فكرية تؤصل قيم العدالة الإجتماعية والاقتصادية التي نستهدفها، فلابد لنا من التمييز بن تلك الصفحات من التراث التي فسر أصحابها أصول تشريعنا، قرآنا وحديثاً، ذلك التفسير المتقدم الذي يناصر الجمهور ويحرص علي إعطاء الحقوق المادية لأصحابها يوقف بالمرصاد للغاصبين والظالمين، التمييز بين هذه الصفحات وبين صفحات اللذين سكتوا عن الجور أو ناصروه.

وأننا إذا شئنا أن نغرس في عقولنا وقلوبنا وضمائرنا القيم الثورية، والتي تدعو للخروج علي الظلم والطغيان والإطاحة بالظلمة والطغاة، فلا بد لنا من أن نشيع في حياتنا المعاصرة ذلك الجانب من تراثنا الذي دعا مفكروه للثورة علي الظلم وامتشاق الحسام لتغيير الأوضاع الجائرة المفروضة علي الناس، دون أن يشاءها الله أو يريدها، لأن الله لا يأمر بالفحشاء ولا المنكر، ولأنه ليس بظلام للعبيد.

وأننا إذا شئنا أن نشيع في حياتنا المعاصرة، وفي صفوف جماهيرنا وجموع أمتنا الديموقراطية والمساواه والحرية السياسية، لابد من أن نقدم لهذه الجموع صفحات تراثنا التي تمجد الشوري، وتجعل صلاحيات الحاكم نابعة من توافر الشروط فيه دونما التفات إلي النسب أو المال أو العصبية والتي هي أفضل زاد فكري يمكن أن يؤصل في أمتنا روح الديمقراطية كخلق وممارسة وسلوك، لا كمجرد شعارات.

وأننا إذا شئنا لأمتنا أن تتنفس الطقس العلمي ملء رئتيها، فلا بد لنا من أن نقدم لها كنوز الفكر العلمي العربي الإسلامي الذي تتلمذت علي يديه الدنيا لعدة قرون، لأن لذلك الدور الكبير في الثقة بالنفس في هذا السياق الذي نبدو فيه اليوم متخلفين بالنسبة للآخرين، هؤلاء الذين كانوا منذ قرون قليلة يحتلون مكان المتخلفين، بينما كنا نحن طليعة الانسانية في كثير من الميادين، بما فيها ميادين العلوم.

وأننا إذا شئنا لجيلنا الحاضر وأجيالنا المستقبلة أن تؤمن إيماناً لا يتزعزع بالتطور وبقدرة هذا التطور علي أن يلد كل جديد، وأن نهزم في وجداناتنا ووجدانات وشباب المستقبل قيم الجمود وروح الرتابة والسكون، فلا بد لنا من تقديم النصوص التي حفل بها تراثنا عن قضية التطور، والتي نستطيع بها أن نرجع التطور والتغير المستمر في الماديات والمعنويات إلي أصول عربية قديمة، رأت التطور قانون الحياة في الأحياء والجمادات والأفكار.
وأننا إذا شئنا أن نجنب أمتنا وحضارتها المرجوة مأساه ذلك الانفصام الذي تشهده الحضارة الأوروبية الغربية اليوم ما بين التقدم في تطبيقات العلوم التكنولوجيا وما بين التخلف، إن لم نقل الانحلال والانحطاط،، في القيم الإنسانية، اللذين يفترسان أغلب قطاعاتها الفكرية والبشرية، إننا إذا شئنا أن نجنب أمتنا وحضارتها ذلك الخطر، وتلك المأساه وآثارها المدمرة، فلا بد من أن نلقي أشد الأضواء علي صفحات تراثنا العربي الاسلامي التي تؤكد علي ضرورة الربط ما بين الفكر والممارسة، والنظرية والتطبيق، والعقيدة والفعل، والإيمان والعمل، لأننا إذا استطعنا أن يكون تراثنا في هذا الباب منطلقاً لنا في هذا الطريق، كانت لنا إمكانيات النجاة مما يعاني منه الآخرون، مما يهدد روح حضارتهم وجوهريات إنسانهم بالتحلل والدمار.

وإذا كانت هذه الأمثلة كافية في التدليل علي أن حقل تراثنا العربي الإسلامي، إنما توجد به، وفي الكثير من آثاره، ولدي بعض مدارسه الفكرية، الخلفيات الفكرية والمنطلقات الثقافية، والأرضيات الحضارية، التي نستطيع إن نحن بعثناها ودرسناها وقدمناها لجمهور مثقفينا، أن ندعم بها وننمي قيمنا المتقدمة التي تسعي أمتنا اليوم لاكتسابها وترسيخها في العقول والضمائر والقلوب، إذا كانت هذه الأمثلة كافية في التدليل علي ذلك، ومن ثم مغنيه عن الاسترسال في إضافة المزيد، فإن الكلمة الضرورية الأخري التي يستدعيها المقام، هي حول تلك الجوانب من تراثنا العربي الاسلامي التي تعادي القيم والأفكار والمباديء التي أشرنا إليها، والتي تناصبها وتناصب أصحابها أشد العداء بل والتي تراهم كفرة وزنادقة وملحدين قد تنكبوا طريق الفكر العربي الإسلامي الصحيح.

ففي مقابل القسمات التي تُمجد العقل في تراثنا الإسلامي، هناك النصوصيون الذين يقدسون ظاهر النص ويمنعون التأويل للنصوص التي تتعارض ظواهرها مع ثمار العقول، أو علي الأقل يتحرجون من هذا التأويل فيقيدونه التقييد المخل والمقيد لطاقات العقول، كما أن هناك من ينكر العلية في الكون ونظامه وتطوره، وينفي فعل الأسباب للمسببات، كأثر من آثار التقليل من قيمة العقل وقدراته وقيم ما يقدمه من معطيات.
وفي مقابل الآثار الفكرية التي تؤكد حرية الإنسان واختياره، وخلق لأعماله ومصيره، هناك الذين ينكرون كل ذلك، ولا يرون في الإنسان أكثر من أداة مجبرة علي التنفيذ، وريشة معلقة في الهواء تلعب بها الريح ماشاءت لها التيارات والأنواء، أو الذين لا يرونه صانعا وفاعلاً إلا علي سبيل المجاز.

وفي مقابل الأفكارالتي خلفها لنا أهل التوحيد والتي بلغت في ميدان تنزيه الخالق والمؤثر في هذا الكون درجة من الخصوبة والنقاء تشهد لعقولهم بالمقدرة ولعقيدتهم بالسمو ولأرواحهم ونفوسهم بالشفافية، نجد المجسمة والمشبهة الذين انحدروا إلي حضيض التشبيه والتجسيم.

وفي مقابل الذين فسروا نصوص القرآن والحديث وتجربة المسلمين الأولي في الحكم والسياسة والاقتصاد تفسيراً متقدماً متطوراً، ومناصراً للمستضعفين في الأرض وجماهير الفقراء نجد الذين أغفلوا هذا الجانب، أو وضعوا طاقاتهم وإمكانياتهم في خدمة الظلمة والطغاة والمستبدين, وبرروا لهم ما يفعلون ويقترفون ويجترمون.
وفي مقابل الذين قدموا لنا فكراً ثورياً ومواقف ثورية في الصراع السياسي في تاريخا العربي الإسلامي، نجد الذين دعوا إلي الاستكانة، وطاعة أئمة الجور والمتغلبين، وعطلوا مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحت مختلف الحجج والمعاذير.

وفي مقابل الذين رأو قدسية مبدأ الشوري والمساواة نجد الذين أعلوا من قدر الدم الذي يجري في عروق بعض السلالات، ودانوا بمبدأ العصمة للأئمة، وتعلقوا بأوهام كاذبة عن الأئمة الذين اختفوا في السحب ومعاقل الجبال والذين سيعودون يوماً ليملئوا الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، وحظروا علي نشاطهم العملي أن ينهض هو بعملية التغيير هذه، كما حظروا علي عقولهم أن تفكر في تصرفات الإمام، فضلا عن أن تسائل هذا الإمام.

وفي مقابل الذين آمنوا بالمنهج العلمي في البحث، وربطوا الظواهر، ورصدوا التغيرات وعمليات التطور في هذه الظواهر، وقدموا لنا تراثاً علميا خالداً، نجد الذين أنكروا حقائق العلم، أو غضوا من شأن هذه الحقائق، ووضعوا كل طاقاتهم في الرياضات الذاتية الفردية، واستبدلوا قوانين الكون وكليات العلم بالذوق و الشهود و الحلول و الاتحاد….
وفي مقابل الذين آمنوا بالتطور، ورأوه قانون للحياة والأحياء، نجد الذين لم يعيروا هذا القانون الأزلي الأبدي اهتماماً مذكوراً، أو أنكروه كل الإنكار أو بعض الإنكار.
وفي مقابل الذين ربطوا ما بين العلم والممارسة، والنظرية والتطبيق، والإيمان والعمل، نجد الذين فصلوا ما بين الاثنين، وقالوا إنه لا تضر مع الإيمان معصية، وحكموا بالجنة للعصاه الظالمين، فأورثوا أنفسهم، كما أورثونا، تخلفاً في العلم وتخلفاً في العمل، وضحالة في الفكر، ونفاقا استشري في الحياة العملية لا زلنا نعاني منه حتي الآن.

انتهي كلام الدكتور عمارة.

وأنا أسئل هنا إلي من سيلجأ أصحاب الألباب؟ وإلي أي منهج سينحازون؟

السبت، 12 سبتمبر، 2009

حكاية مايكل


تأملت خارطة الوطن ..في محاولة لإيجاد حدود بيننا وبين الآخر ....وطن لنا ووطن لهم ..كما يريد أولئك ال.....
لكزني إبني ..أمي ...لماذا يريدون وطن لنا ووطن لهم ..ألسنا جميعا ً مصريين ...تأملت خارطة الوطن مرة أخرى ...لم أرى أي أثر لحدود ..
شعرت بيد زوجي على كتفي ..يزيل كل تعب البحث في خارطة الوطن ..
هل أعددتِ لوليمة الإفطار السنوي..
نعم كل شيء مُعد ..لا تقلق ..
تعود زوجي أن يقيم كل رمضان يوماً لإفطار كل من يقيمون هنا في غربتنا بدون زوجاتهم من أصدقائه ومعارفه ..وتعودت كل عام على الإستعداد لهذا اليوم ..أستشعر فيه نسائم الوطن ..ولمَّة الإفطار بالرغم من أنني أفطر وحدي في هذا اليوم ..إلا أن جو البيت يكون مختلفاً
ولكن هناك ضيف جديد هذا العام ..هكذا أخبرني زوجي ...
ومن هو ..؟؟؟
إنه مايكل ..إبن جيراننا بالقاهرة ..
للحظات شردت في خارطة الوطن ..تلاقت نظراتنا ..فهِم ما يدور في ذهني ..
بادرني ..لا تقلقي ..فله هو أيضا طقوسه في رمضان ..هكذا أخبرني ..تعود أن يفطر مع أصدقائه محمد وعمر ..بعض أيام من رمضان ..ويشاركهم السهر على قهوة الفيشاوي ..
إنشغلت طوال النهار في الإعداد للإفطار ..ولازلت أبحث داخلي عن حدود داخل وطني ..دق جرس الباب ..حضر مايكل ..مبتسما قدم للأولاد الشيكولاته التي يحبونها ..
وجدت ولدي خلفي ..أمي ..أمي ..عمو مايكل أحضر لنا شيكولاته ..لماذا يقولون لنا في التلفاز أنهم لا يحبوننا ...نظرت إلى عينيه المتسائلتين ببراءة ..لم أجد إجابة ..تشاغلت بتحضير السفرة ...لعلي أجد إجابة ...
كل شيء على مايرام ..رُفع أذان المغرب ...دعى الجميع الله أن يحفظ أوطاننا ..تناولوا التمر والقهوة العربية التي أصبحت أجيد صنعها ..
قاموا للصلاة ..طلب زوجي من الأولاد أن يبقوا مع مايكل حتى لا يشعر بالوحدة ..ظلوا معه يتضاحكون ..سألهم هل تصومون اليوم بأكمله ..تسابقوا ليعلن كل منهم زهوه بصيامه اليوم كاملاً ..
أمي ..مايكل ليس سيئا كما كنا نتصور ..هكذا أخبرني أولادي بعد الإفطار ..
ربت زوجي على كتفي شاكرا لي تعبي الذي نسيته مع كلماته ..


أخذ يحدثني عن سرور مايكل وسعادته البالغة بالإفطار معهم ..وأنه إستشعر وجوده في وطننا اليوم ...كان هو يحكي بينما كنت أنا أطوي خارطة الوطن ..فلا مكان فيها للحدود .

الخميس، 10 سبتمبر، 2009

بين التمدد الحضارى و نظرية المؤامرة

السلام عليكم و رحمة الله
أصدقائى الأعزاء ،،
هناك الكثير من القناعات و الأفكارالتى تستحق أن نعيد النظر بها
من أهم هذه القناعات رؤيتنا لنظرية المؤامرة ،، و مفهومها عندنا
أتمنى أن تكون تدوينتى البسيطة معيناً على فتح الموضوع ،، و إعادة النظر به مرة أخرى
لن أطيل عليكم و اترككم مع التدوينة ،،،،،، أتمنى أن تحوز رضاكم


بين التمدد الحضارى و نظرية المؤامرة


1- نظرية المؤامرة كنموذج تفسيري .
2- دوافع تبنى النظرية .
3- القدرة التفسيرية لنظرية المؤامرة .
4- إشكاليات الإيمان بمطلقية النظرية .
5- فكرة التمدد الحضاري واختلافها عن نظرية المؤامرة .


1- نظرية المؤامرة كنموذج تفسيري

تطرح نظرية المؤامرة كثيراً فى مجتمعاتنا العربية و الإسلامية - خاصة من أبناء التيارات القومية و الإسلامية - كنموذج تفسيري يفسر حالة الشرود الحضارى التى أصيبت بها أمتنا العريبة و الإسلامية فى القرون الأخيرة .
النظرية ببساطة ؛ تحاول تفسير الحالة العدائية المقصودة ضد الأمة من قبل العديد من الأطراف ، و التى أخذت أشكالاً مختلفة بدءاً بالعداء المقنع الذى قد لا يتضح إلا بمرور زمن طويل من خلال رصد الأحداث التاريخية و تحليلها ؛ وصولاً إلى العداء المباشر و الذى قد يأخذ شكلاً عسكرياً ، مروراً بالأشكال العدائية المختلفة و التى قد تتمثل فى التحالفات و التلاعب بموازين القوى ، أو الحروب الاقتصادية ، أو عمليات الغزو الفكري و الثقافي، و غيرها من الأشكال المختلفة التى تساهم فى تكريس هذه الحالة .
و مما زاد من قدرة هذه النظرية على التفسير ؛ الدرجة التى وصلت إليها دولنا العربية و الإسلامية من التراجع الفكري و الحضاري ، و أيضاً المصادفات التاريخية التى وضعتنا – تقريبا – فى حالة عداء مع كل الأطراف المغايرة .
الأمر الذى أظهر هذه الأطراف كلها و كأنها متفقة على مناصبة أمتنا العداء ، بغض النظر عن أى مشروع فكرى أو ثقافى تطرحه هذه الأطراف .
فانطلاقاً من نظرية المؤامرة ؛ نستطيع أن نفسر كل المشاريع الفكرية الإنسانية التى تبنتها الأطراف المغايرة ، بأنها مشاريع إنما وضعت لتبرير الظلم الواقع علينا من قبل هذه الأطراف .
و قد بالغ البعض فى اعتبار هذه النظرية النموذج الأمثل لتفسير كل ما أصابنا من شر ، بغض النظر عن أى عوامل داخلية أو حضارية استلزمت ما حدث لنا ، فمن وجهة نظرهم أن هذه العوامل الداخلية هى أيضاً كانت بفعل الأطراف الخارجية الشريرة المتآمرة على أمتنا النبيلة البريئة الطاهرة .

2- دوافع تبنى النظرية

كما أشرنا ؛ فإن هذه النظرية تعد من أكثر النظريات رواجاً لتفسير ما أصاب دولنا العربية و الإسلامية - على وجه الخصوص من قبل أبناء الاتجاهات الفكرية القومية و الإسلامية - و ذلك له العديد من الأسباب من أهمها :
1- حالة الركود التى أصابت أمتنا ، و التى - بلا شك - لها العديد من الأسباب الخارجية ، و الدلائل المبينة على ذلك .
2- ظهور العديد من المرجعيات الفكرية و الفلسفية المغايرة فى القرون الأخيرة ، خاصة فيما يعرف بمرحلة التنوير بأوروبا و العالم الغربي ( الشيوعية الماركسية و اللينينية ، العلمانية ، الليبرالية ، الفاشية ، و غيرها ) .
3- ارتباط المرجعيات الإسلامية بمفهوم القداسة ، التى نتجت عن استقاء أصول و ثوابت هذه المرجعية من الدين الذى يحمل قدسية خاصة عند معتنقيه ، مما أصبغ على هذه المرجعيات فكرة الصواب المطلق ؛ و بالتبعية فكرة الخطأ المطلق على ما يغايرها ، و ذلك و إن لم يكن بشكل فكرى خالص - نتيجة الاعتقاد فى أن الفهم البشرى للدين و استقاء الأصول منه يختلف عن الدين المقدس فى حد ذاته - فإنه بلا شك تم بشكل عاطفى و نفسى نتيجة الخلاف الواضح و الصريح بين ثوابت و قيم الدين و بين العديد من الأصول و المنطلقات لهذه المرجعيات المغايرة ؛ خاصة فى فلسفاتها حول الوجود البشرى و أهدافه ، مما أحالها - من هذه النظرة - إلى مشاريع فكرية شريرة و هادمة .
4- ارتباط المرجعيات القومية بالمكان ، فالمكان هو جزء من المرجعية و يحدد كثيراً من منطلقاتها ، فبزوغ مرجعيات أخرى من أماكن مختلفة ، حينما تواكبه حالات الضعف و الاضمحلال ، يؤدى إلى اتهام هذه المرجعيات بالعدائية و من ثم فإن ذلك يكرس لنظرية المؤامرة و يؤكد على صحتها .
5- الظروف التاريخية ؛ التى مرت بها أمتنا ، و التى يمكن تفسير الكثير منها من خلال نظرية المؤامرة .
كل هذه الأسباب و غيرها ، أدت إلى رواج نظرية المؤامرة و تدعيمها ، بل و اعتبارها - فى بعض الأحيان - ثابت كونى لا يصح النقاش حوله .

3- القدرة التفسيرية لنظرية المؤامرة

على الرغم من قدرة نظرية المؤامرة التفسيرية للعديد من الظواهر التى مرت بها أمتنا ، إلا أنها وقفت عاجزة أمام الكثير من الأمور ؛ التى لا يمكن تفسيرها انطلاقاً من النظرية ، من أهم هذه الأمور :

1- الصراعات العنيفة التى دارت بين المرجعيات المختلفة و المغايرة تماما ؛ و هو ما ينفى أى شبهة تآمر أو تخطيط مسبق ؛ ذلك أن بعض هذه الصراعات وصلت إلى درجة التعدى العسكرى ، و هو ما يؤكد أن منطلقات هذه المرجعيات المغايرة لا يمكن اختزالها فى منطلقات تآمرية و حسب ، و هذه الصراعات قد تصور لنا أن المعركة هى معركة وجود بين مختلف الأطراف .
2- الخلافات الفكرية العنيفة بين المرجعيات و الايديولوجيات المغايرة ؛ بل و حتى بين أتباع الايديولوجيا الواحدة ، و التى عند تأملها نجد أنه قد بذل فيها مجهود فكرى و تنظيرى ضخم جداً ، و هو ما يصعب ترجمته من خلال نظرية المؤامرة .
3- غياب الدافع الحقيقى للتآمر عند الكثير من منظرى و أتباع المرجعيات المغايرة ، فلو افترضنا أن هذا التآمر هو ضد الفكرة الإسلامية ؛ فبماذا نفسر تآمر الكثير من اللادينيين أصحاب المذاهب الفكرية المختلفة .
4- البعد التاريخى ؛ و الذى يؤكد أن كثيرا من المرجعيات و الايديولوجيات المختلفة ، هى أصلاً مؤصلة من قبل ظهور الإسلام و تبلور الثقافة العربى ، فنظريات فلاسفة اليونان و الصين و مصر القدماء ؛ مليئة بالأفكار التى تتشابه إلى حد بعيد مع المرجعيات الغربية المغايرة ، فعلام كانت تتآمر هذه النظريات القديمة إن لم تجد أصلاً ما تتآمر عليه !!!!
5- الاقتناع الكامل بالكثير من المرجعيات الغربية من قبل العديد من المفكرين العرب و المسلمين ؛ مع احتفاظهم بالانتماء الوطنى و القومى ، و العدائية الكاملة لأعداء الأمة ، و هنا مثلاً لو ضربنا مثالاً على المرجعيات اليسارية ؛ فلاشك أن اليسار المصرى أو المغربى – برموزه البارزين - لم يتحالف يوماً مع اليسار الإسرائيلى .
هذه الأمور و غيرها ، لم تستطع – فى رأيى – نظرية المؤامرة ، إيجاد تفسيرات مقنعة لها .

4- إشكاليات الإيمان بمطلقية النظرية

أقصد بالمطلقية هنا ؛ الاعتقاد فى صحة النظرية المطلقة ، و اعتبار النظرية ثابت و منطلق نستطيع التحرك منه .
هنا ستصادفنا عدة إشكاليات من أهمها ؛ أن نظرية المؤامرة هى نظرية تفسيرية ، و التفسير يشغل موقعاً خطيراً و حساساً فى منظومة الفكر العام ، ذلك أن التفسير هو الذى يحدد المنطلقات و الغايات و الأهداف ، من هنا فإنه إن حدث خلل واضح فى التفسير ، فإن ذلك يوقعنا فى شرك الشرود الفكرى ، و من ثم فإنه يكرس لحالة الشرود الحضارى .
من السلبيات التى ستواجهنا أيضاً ، رؤية الآخر بنظرة معينة تقضى بأنه عدوٌ متآمر ، و من ثم رؤية كل ما أتى به على أنه منهج تآمرى فاسد ، و لا يحمل أى وجاهة و لا مبررات فكرية أو منطقية ، و كل ما يحويه من خير إنما هو من باب التمويه و دس السم فى العسل ، و ذلك المبدأ يخالف الطبيعة الإنسانية و البشرية ، و التى تقضى بأنه من المستحيل أن يجتمع كمٌ هائل من البشر على شر محض ، كما أنه يضعنا فى خانة العداء الشديد مع كل الأطراف المغيرة ، و هو ما ينقلنا إلى نقطة فى منتهى الخطورة ، و هى انتشار روح اليأس و الإحباط ، ذلك أن العالم كله يقف ضدنا .
توجد أيضاً إشكالية كبيرة ، و هى إلى حد ما تتعلق أيضاً بالاشكالية التفسيرية ، و هو أن كل الأسباب الداخلية و الحضارية التى أدت إلى تراجعنا و شرودنا ، سيتم إهمالها و يعول بشكل كبير على الأسباب الخارجية التى هى السبب الأول فى كل ما حدث لنا ، و بالتالى فإن المهمة الكبرى المنوطة بنا هى البحث عن نقاط ضعف أعدائنا و إظهارها ، فتتكاثف الجهود لذلك ، مهملة تماماً ، البحث عن نقاط القوة فى الذات و تدعيمها ، أى أننا سننشغل بهدم الآخر عن بناء أنفسنا .
كل ما ذكرته من سلبيات و إشكاليات ؛ فغنه يتعلق بالاعتقاد فى مطلقية النظرية ، لأن إهمال النظرية تماماً ، و الرؤية البريئة للآخر ، لها أيضاً العديد من السلبيات التى ربما تفوق ما قد سبق ، و لكن - فى رأيى – أن الأمر يصبح مفهوماً أكثر ، إذا فهم من خلال نموذج التمدد الحضارى و الفكرى .

5- فكرة التمدد الحضاري واختلافها عن نظرية المؤامرة

فكرة التمدد الحضارى و الفكرى ؛ يتناولها البعض تحت عنوان صراع الحضارات ، و هو ما أرفضه ظناً منى أن الأمر تحت هذا العنوان يفقد الكثير من قدرته التفسيرية للكثير من الأحداث التاريخية التى مر بها الجنس البشرى .
الفكرة ؛ يمكن التعبير عنها بأن كل فكرة إنسانية – بسيطة كانت أو معقدة – بمجرد توليدها ، فإنها تدخل فى معركة لإثبات الوجود و الانتشار و السيادة على بقية الأفكار الأخرى المطروحة ، و هكذا الأمر يطبق على الايديولوجيات و المرجعيات المختلفة ، فكل منها يسعى للتمثل على أرض الواقع فى نموذج حضارى سائد و مثالى .
و هنا نجد أن الفرق واضح و كبير بين هذه الفكرة و بين نظرية المؤامرة ، فنظرية المؤامرة تفترض السعى لهدم الآخر ، أما فكرة التمدد الحضارى فتفترض السعى من أجل إثبات الوجود .
و انطلاقاً من هذه النقطة ؛ فإننا لا ننفى الخيرية و الوجاهة عن المرجعيات و الأفكار الأخرى ، و لا نفترض العدائية المباشرة بين الأطراف الأخرى ، و لكننا فى ذات الوقت لا نفترض حسن النية المبالغ فيها ، لأننا نعلم أن النماذج الحضارية المختلفة تسعى فى النهاية لإثبات وجودها ، بل و سيادتها على النماذج الحضارية الأخرى .

فى الختام ،، أعلم أن الموضوع كبير و معقد ، و لا يمكن تغطية كل جوانبه فى تدوينة بسيطة ، و لكن فى النهاية أتمنى أن أكون استطعت إيصال وجهة نظرى لحضراتكم ،،،، و الله المستعان .

ليصلك جديد المدونة

ادخل بريدك الالكتروني