السبت، 6 سبتمبر، 2008

لأني أحبه


الشمس توشك على الرحيل..
.أجلس على ضفة النهر أرقبها وهي تذوب في الافق الغربي....وأعرف أن رحيلها هو ايذان بمقدم أولىليالي الرحمة...ندت من صدري تنهيدة شوق له وهو نبي الرحمة...وهل يمكن أن أتذكر ليالي الرحمة دون أن أتذكر الرحمة المهداة والنعمة المسداة صلوات ربي وسلامه عليه ...حبيبي يا رسول الله ما أشد شوقي أن أراك ولو لحظة في المنام !
الأشعة الذهبيه الغاربة تنعكس في لجّة عينيّ فأتخذ من حزم ضوئها جناحين أسافر بهما عبر الزمان والمكان الى هناك..الى منبع الأشواق ...الى طيبة الطيبة...الى ذلك العصر حين كان نبي الرحمة يضئ المدينة والعالم بأسره بنور الله...أحلق بروحي فوق المسجد الذي كان وقتئذ صغيرا متواضعا مسقوفا بسعف النخيل لكن كم كان كبيرا عظيما بالنبي وصحابته الكرام...

أحاول أن أنفذ ببصري عبره كي أرى الحبيب النبي ..آه ..فقط لو يتاح لي رؤيته ولو للحظة تنتهي بعدها حياتي..أحاول أن أخترق السقف فأفشل....أحاول وأحاول وأحاول لكني أفشل مرة بعد أخرى.
يارسول الله لماذا أحرم من رؤيتك في المنام وأعجز عن رؤيتك حتى بعين الخيال وأنا- يشهد الله- أحبك حبا لو أذبته في هذا النهر من منبعه حتى مصبه ما كفاني ؟!


ندّت مني آهة ملتاعة...لم تمض برهة حتى وجدت هاتفا ينبعث من ذلك الزمان والمكان يقف أمامي ويسألني :
-ألهذا الحد حبك له ؟- بل وأكثر.

_لأي درجه ؟!بحثت عن تعبير مناسب فلم أجد ،غير أني كنت ومازلت ...

_أتمنى أن أراه ولو للحظة واحدة ولو مت بعدها.

_فإذا رأيته ماذا تقولين له ؟تاهت الكلمات وذابت على طرف اللسان...وهل تجدي كل كلمات الدنيا شيئا وقتها ؟!
بادرني هو بسؤال آخر:

_وماذا تعتقدين أنه قائل لك ؟!

_أوأستحق أن يكلمني كلمة ؟!والله لو أمرني أن ألقي بنفسي في هذا النهر فسأفعل راضية سعيدة

.رأيته يبتسم ابتسامة غامضة مغضبة... لا أدري ان كانت ابتسامة سخرية أو حسرة...وهمس بعتاب :
_(يا أيها اللذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون )؟
إن كنت تحملين كل هذا القدر من الحب له و هو لم ولن يأمرك أن تلقي بنفسك في اليم برهانا على صدق حبك...فقط أمرك بما فيه سعادتك وانقاذك وعتق رقبتك مما هو أفظع ملايين المرات من اليم(يا أيها اللذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم...الآية)...فلم تحيدين عن أوامره وسنته ؟! أين برهان حبك يامحبة ؟!


أصابني الذهول مما يقول !

سكت...بكيت... ونظرت اليه دون أن أعرف بماذا أجيب !

قاس هو ولكنه صادق الى أبعد الحدود.

لم يرحمني ولا رق لدموعي لكنه أكمل :

_أنتم معشر الناس تجيدون الحديث عن حب الرسول...تجيدون البكاء والثورة والتظاهر حينما يتعرض لهجوم أو اساءة أو يرسمه رسام مجنون رسوما مسيئة ..أما علمتم أن هجر سنته والاعراض عن هديه هو أكبر اساءة تحزنه في قبره ؟!أين أنتم من سنته ؟!أين أنتم من سيرته ؟!أين أنتم من الاقتداء به في أخلاقه ومعاملاته وحياته ؟!أين أنتم من قيم محمدية غابت وسط زحام المدنية ؟!

هتفت بغضب: _لا تقس علينا هكذا ! نحن نحب الرسول حقا !
_أنا لا أنكر ذلك .
_ ولا أعتقد أننا بهذا السوء...ألا ترى معي أن المجتمع يتجه نحو الدين والتدين والاقتداء بالرسول بشكل كبير هذه الأيام ؟_حقا ؟!
قالها هاتفا في سخرية:
_مامفهوم التدين وتطبيق الكتاب والسنة عندكم ؟! المظاهر التعبدية ؟!
*صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ؟!
* وصيام لا يعني في قاموسكم الا الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة فلا هو يعف اللسان ولا يغض البصرولا يهذب الخلق مع الناس ؟!
* وقرآن لا يجاوز التلاوة للتطبيق..انما هو سباق رمضاني في عدد مرات الختم حتى وان كان دون تدبر ولا عمل به ؟!
*أم التدين لديكم اقتداء في اللباس والهيئة ؟! فما أكثر انتشار الحجاب والخمار والنقاب بين النساء وما أكثرمن يطلق لحيته ويقصر ثوبه بين الرجال ؟!
هل هذا هو فهمكم القاصر لحب الله وحب الرسول يا أمة محمد ؟!وان كان مفهومكم هذا صحيحا فلماذا زادت نسبة التدين بينما الأخلاق في انحدار؟!


لماذا ازداد الكذب وقلت الأمانه وأنتم تزعمون حب الصادق الأمين ؟! لماذا انتشرالغش في كل نواحي الحياة وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) والرشوة ؟!وقد لعن
رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما .
...لماذا قل الحياء وقد كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها وعشرات الأحاديث يأمرنا فيها بالحياء وقال عنه أنه شعبة من شعب الايمان؟! ؟!
لماذا انتشرت الشتائم والكلام البذئ ورسول الله يقول (ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذئ) ؟!
لماذا انتشرت العلاقات المحرمة والدخول على المواقع الاباحية ورسول الله قد قبض يده ورفض مبايعة شاب جاءه مسلما لأنه عاكس فتاة وغضب من ذلك حتى احمر وجهه؟!
لماذا ساءت أخلاق الأزواج مع الزوجات ورسولنا القائل :( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) وقد قالت عنه عائشة رضي الله عنها عندما سئلت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة أهله، فإذا حضر الصلاة يتوضأ، ويخرج إلى الصلاة. رواه البخاري.وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، وقالت: كان بشرا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. رواه الترمذي وصححه الألباني.
لماذا ساءت أخلاق الأبناء مع الاباء...لماذا ساءت أخلاق الطلاب والأساتذه والموظفين والمدراء والعمال ؟!


وأين ذهبت الحقوق المهدرة ؟!

أين حق الطريق
وهو القائل :( إياكم والجلوس بالطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال: فأما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟، قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. متفق عليه.
أين حق صلة الرحم وهو القائل: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ) رواه البخاري

أين حق الجار وهو القائل: (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) لماذا انتشرت أمراض القلوب من كبر وحسد وحقد وغيرة بين الناس؟!
لماذا انتشر سوء الظن والغيبة والنميمةوالمشاجرات والشائعات والخوض في الأعراض وقد قال صلى الله عليه وسلم :)كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ؟!


لماذا ساءت المعاملات بين المسلمين وبعضهم وقد قال عنهم : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحـمـهــــــم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحـمى)رواه البخاري ومسلم


ولماذا ساءت المعاملات مع غير المسلمين ورسول الله قد صبر على أذى جاره اليهودي في القصة المشهورة وأوصى بحسن معاملة أهل الكتاب المعاهدين في أحاديث كثيرة مثل :‏(مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا )البخاري
وقال عليه الصلاة والسلام: ( ‏أَلَا ‏مَنْ ظَلَمَ ‏ ‏مُعَاهِدًا ‏أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا ‏حَجِيجُهُ ‏‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ . )


لماذا التدين في صعود بينما الأخلاق والقيم في هبوط حاد...كيف يحدث هذا الا اذا كان هناك ازدواجية و خطأ جسيم في فهم القرآن والسنة وتقصير شديد في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ؟!


لماذا ساءت أخلاق المجتمع ؟!


أين ذهبت أخلاقكم ياأمة محمد سيد الأخلاق ؟! أين الأخلاق وهو يقول : (انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وتقول عنه زوجته عائشة (كان خلقه القرآن) ؟!


أنا لن أعمم فالأمة ما زالت بخير وستظل...وهناك الكثير ممن يقتدي برسول الله حق الاقتداء... لكن ألا ترين حقا أن أزمة الأخلاق لديكم صارت ظاهرة ملحوظة ؟!
تذكرونني وأنتم تتحسرون على حال بلادكم مقارنة بالغرب- الذي تشيدون بطريقة المعاملة واتقان العمل والنظام والنظافة فيه- بما قاله الامام محمد عبده بعد عودته من فرنسا:(هنا مسلمون بلا اسلام ،وهناك وجدت اسلاما بغير مسلمين)


انهمرت دموعي أنهارا وأنا أعي لأول مرة السر في تأخرنا وانحدارنا برغم كل هذا الوعي الديني الملحوظ.أخذت أبكي وقد غادرني ذلك الهاتف بعدما وضع يدي على مكمن المرض.


انتبهت لنفسي ...وجدتني في نفس الجلسة أمام النهر وقد غابت الشمس وراء الأفق
عرفت علة الأمة وآن وقت البحث عن الطبيب المداوي...عدت أسافر عبر الزمان والمكان لأعود لسقف مسجد النبي...حاولت من جديد ولم أصدق نفسي وأنا أشعر باختراق روحي للسقف ووقوفي في مكان أرى منه الحبيب...لاأزال محرومة من رؤية ملامح وجهه ...لا أزال محرومة من الاقتراب ...لكن ألا يكفي أن أرى كيانه ولو من بعيد وهو يخرج من حجرته قاصدا المسجد ؟!
اغرورقت عيناي بالدموع حبا وشوقا...
بعين الخيال أراه وأسمعه يقول لأهل المدينة الذين تحلقوا من حوله في هذه الليلة المباركة أول ليالي رمضان ذلك الحديث الذي أحبه :عن سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: " يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله تعالى صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء " قلنا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما نفطر به الصائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء ومن أشبع صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار ". رواه البيهقي


أعلم أن الأخلاق في الأمة كجذوة جمر تحت الرماد...لم ولن تنطفئ...فقط تلزمها ريح قوية تذرو الرماد من فوقها لتتأجج من جديد
الأمة مازال فيها الخير ألم يقل فيها الحبيب النبي : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" أخرجه مسلم والبخاري


ألم يقل فينا ربنا: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ...الآية)


عسى لرمضان أن يكون هذا العام الريح القوية التي تذكي جذوة الأخلاق والقيم فينا من جديد فكما قال ربنا في تبيان الحكمة من الصيام :(لعلكم تتقون) صدق الله العظيم

مواضيع من نفس التصنيف



0 comments:

إرسال تعليق

ليصلك جديد المدونة

ادخل بريدك الالكتروني