الجمعة، 5 ديسمبر، 2008

تأبين الداعية المجاهد الأستاذ محمد العلوي السليماني رحمه الله

في أجواء يملؤها الخشوع والرضا بقدر الله ويطبعها الإجلال لعظيم ما خلف الرجل، نظمت جماعة العدل والإحسان تأبينا للأستاذ محمد العلوي السليماني رحمه الله ليلة الأربعاء 4 ذي الحجة 1429 الموافق لـ3 دجنبر 2008، ببيته بالمسيرة 3 في مدينة مراكش، وذلك بحضور عائلة وأقارب الفقيد ومئات من أبناء الجماعة يتقدمهم أعضاء مجلس الإرشاد والأمانة العامة للدائرة السياسية.
وبعد يوم مهيب عاشته مدينة المرابطين مع جنازة واحد من رجالاتها الكبار، تميز حفل التأبين بقراءات خاشعة لكتاب الله الكريم أهديت لروح الأستاذ العلوي ومواويل مذكرة بمصير الموت وفقد الأحباب، وكلمات مؤثرة من مسؤولي الجماعة وعائلته وجيرانه في حق الرجل الرباني المجاهد، في مقدمتها كلمة مسجلة للمرشد العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ عبد السلام ياسين وشهادة الناطق الرسمي للجماعة الأستاذ فتح الله أرسلان. حيث ذكر الجميع بمناقبه الجليلة وخصاله الحميدة داعين إلى إتمام المسيرة على دربه والبناء على الأصول التي شيدها صحبة الأستاذ المرشد ورجالات الجماعة الأوائل.

وهكذا قال الأستاذ عبد السلام ياسين في كلمته: "رزئنا برجل أي رجل، كان رجلا أي رجل. رجلا يتحلى بالأخلاق الحسنة ويحبه كثير من الناس، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من شهد له أربعة دخل الجنة. وهذا رجل يشهد له أربعة وأربعة وأربعون وأربعة آلاف وأربعون ألفا وأكثر من ذلك، يحبه الجميع. نسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته وأن يلحقنا به مسلمين مقربين سابقين. نشهد أنه كان سباقا إلى الجماعة، إلى نصرة الحق يوم كان بعض الناس يخنسون ويترددون ويخشون من لا يخشى الله عز وجل".
وأضاف الأستاذ المرشد "(إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) لقي محمد العلوي السليماني ربه، فهذا يومه. نسأل الله عز وجل أن يحسن إلينا وإليه وأن يتقبله في مقعد صدق عند مليك مقتدر وأن يسكننا وإياه فسيح جناته وأن يعوضنا عنه من الإخوان والأخوات من يقوم مقامه في الجهاد وفي الصدع بكلمة الله. لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله".

من جهته، وباسم عائلته، واسى ابن الفقيد الأستاذ أحمد العلوي الحاضرين قائلا "إخواني أقول لكم أجاركم الله، فنصيبنا في الوالد نصيب واحد، فهو يعتبركم أبناءه، وما أتى بكم إلا تلك المحبة المتبادلة. الإخوان الأفاضل جزاكم الله خيرا على مواساتكم، فهذا مما يخفف. إخواني أخواتي شكر الله لكم فمنكم من جاء من خارج المغرب ومنكم من جاء من أماكن بعيدة وواصل الليل بالنهار سفرا قاصدا أن يحضر هذا الجمع الكريم.
ماذا عساي أن أقول إلا أن أقول ما يرضي ربنا عز وجل: الحمد لله على كل حال الحمد لله على كل حال الحمد لله على كل حال"، وشكر جميع الأطباء والممرضين الذين تعاملوا مع المرحوم خلال السنة الأخيرة التي أصيب فيها بالمرض كأب وليس فقط كمريض.

بدوره وفي كلمة باسم جماعة العدل والإحسان، قال الأستاذ فتح الله أرسلان: "الكلام عن سيدي محمد العلوي لا أظنه صعبا، لأن الناس عندما يريدون أن يرثوا أحدا ما يبحثون عمن يبرز مناقبه لإبرازها إن لم تكن واضحة. لكن هذا الرجل مناقبه ظاهرة، ما أعتقد أن ما قلتموه أو يمكن أن يقوله أي أحد غريب عليكم، عندما نتحدث عن كرم الأستاذ محمد العلوي، من منا لم يره؟ إذا تكلمنا على رحمة سيدي العلوي، من منا لم تمسه هذه الرحمة؟ إذا تطرقنا إلى قوة وشجاعة وإباء الرجل، من منا لم يشهد مشاهد مع الأستاذ العلوي؟".
وبعد أن ذكر بجوانب من مسيرة الرجل في صحبته للأستاذ عبد السلام ياسين قال "عندما عرضت عليه هذه الصحبة الصالحة لم يتردد ولم يتلعثم، بل استغل حياته كي يستفيد من هذه الصحبة أقصى ما يمكن، وأعطاها كل ما يملك... لذلك نفهم كيف أنه في قلوبنا وإحساسنا نشعر في الأيام الأخيرة بالمقام الكبير الذي ختم الله له به".

أما رفيق دربه وصاحبه في البناء والصحبة والجهاد الأستاذ أحمد الملاخ فقال: "ماذا عساني أن أقول والحبيب اللبيب والصاحب والمصحوب إلا أن أسميه تسمية خاصة به، وقد ارتأيت أن أبين جانب مهما من جوانبه التي تميز بها وأنا شاهد على ذلك والله تعالى علينا شهيد ورقيب، أُسَمِّه الحبيب اللبيب.... قد عجز قلبي عن ذكر مناقبه. وقد استفتيت قلبي فأملى علي اسما عساني أن أكون فيه مصيبا بعض الشيء: جابر عثرات الكرام.
لمست فيه هذا الجانب طوال معاشرتي له وهي طويلة وطويلة جدا، وعندما عاشرته في المحن إذ كنا نعيش في زنزانة فيها طولها وعرضها متران (يقصد اعتقالهما في درب مولاي الشريف بعد إصدار رسالة الإسلام أو الطوفان)، في هذه عرفني وعرفته وعرفت صبره وتجلده وحبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. عرفته في زنزانة الاعتقال وعرفته في ساحة العمل الدؤوب المستمر وفي حرصه على إخوان وأخوات الجماعة".

وباسم القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان قالت الأستاذة عزيزة السخرجي "إذا كانت هذه لحظات حزن على فراق رجل من رجالات هذا البلد، فإنها أيضا لحظات بشارة واستبشار بما يعده الله سبحانه لعباده الصادقين. ما عرفنا سيدي محمد العلوي إلا عدلا يأمر بالعدل ونحسبه على صراط مستقيم، شهدت بذلك سيرته وشهدت بذلك شهادات من سبقني على هذا المقام".
من جهته الأستاذ المهدي الدرقاوي تحدث عن الأستاذ العلوي رحمه من زاوية الجار قائلا "كان يعتني بأطفال هذا الحي عندما يمر وهو في طريقه على المسجد ويحتفي بهم، ويعتبرهم مستقبل هذه المدينة وهذا البلد. وكان يتفقد أحوال الجيران، كلما غبت عنه في اليوم إلا ويسأل عنك ويسأل عن أحوالك، وكان يرعى حق الجوار".

بدورها كان لنسائم الحج وزيارة الروضة الشريفة حضور في المأتم، حيث اتصل الأستاذ عبد الواحد المتوكل الأمين العام للدائرة السياسية من الديار المقدسة معزيا ومؤبنا "بلغنا الخبر، خبر رحيل رجل من رجالات المغرب الأفذاذ، سيدي محمد العلوي رحمه الله رحمة واسعة، ذرفت العيون وتألمت القلوب، ولكننا نقول إنا لله وإنا إليه راجعون إنا لله وإنا إليه راجعون إنا لله وإنا إليه راجعون".
ليشير إلى الصرح الذي بناه الرجل "عزاؤنا أيها الأحبة أنه إذا رحل عنا سيدي محمد في قول الشاعر:

إذا مات منا سيد قام سيد *** قؤول بما قال الكرام فعول

الأستاذ العلوي رحمه الله غرس غرسا طيبا رأى بعضا من ثماره، وكان يقول في أخريات أيامه: الحمد لله الذي أحياني حتى أرى شبابا مؤمنا متوثبا يعمل بجد وإخلاص لنصرة دينهم ولإعلاء كلمة الله عزل وجل، والآن "إِيلا بْغَات تْجِي المُوت غِير تْجِي"".

وفي قصيدة رثائية قال، مما قال، الأستاذ منير الركراكي عضو مجلس الإرشاد:

محمـد علـويّ ذِكـره رفـعا *** والنّور مـن وجهه بالبشر قد سطعا
حِبُّ القلوب وصَبُّ الخلّ صَنعَتُه *** أكرم بصَنعة مصحوب ومن صَنَعا
ثانيَ اثنيـن أبشِـر فالدُّنا أمـد *** إن ضـاق عيشك عند الله ما وسعا
يا صاحب السجن والإسلام تهمته *** بوركت أنت ومن أملى ومن طبعا


بدوره رثى الأستاذ عبد العالي مجذوب الفقيد، وكان مما قال:
في التُرْب صار شريفُ الفعل والنسب
ياربِّ، اِرْحـم حبيبا كان صنوَ أبـي
يا قبرُ، ارفُقْ بجسم في ثراك ثــوى
قد عاش جسما كبير الأصل والحسـب
لبيت آل رسول الله نسبتُــــــه
أكرم بجسم له وصلٌ ببيت نـبـــي
ترجّل الفارسُ المغوار فانطلقـــت
تبكيه أفئدة بالدمع والخطـــــب

وفي كلمته باسم الجماعة بمدينة مراكش قال الأستاذ حسن التراس "عن أي خصلة من خصال الرجل أتحدث؟ إخواني الكرام قد جمعها كلها. بلغ عمره رحمه الله 77 وأظنه قد استوفى شعب الإيمان السبعة والسبعين فعلا وممارسة. ما وسعه الحضور في مجلس إلا حضر، كان يحرض المؤمنين على حضور المحطات الإيمانية التي يسمو بها المرء بروحه بعيدا عن مثبطات الدنيا"، وأضاف مسترسلا في خصال الفقيد "سباقا إلى الجود والعطاء، ما سمع بمريض إلا عاده ولا جنازة إلا مشى خلفها، يتذكر الأصحاب بالزيارة والتفقد لا يكل ولا يمل، ذو غيرة شديدة على أعراض المؤمنين والمؤمنات".

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ومتعه بالنظر لوجهه الكريم وألحقنا به من الصالحين، آمين.

تاريخ النشر : 04/12/2008

مواضيع من نفس التصنيف



0 comments:

إرسال تعليق

ليصلك جديد المدونة

ادخل بريدك الالكتروني