السبت، 29 نوفمبر، 2008

تحيا جمهورية الأهلي!



تابعت باهتمام -كما تابع كثير من المصريين- أحداث مباراة الأهلي، كما تابعت عقبها الفرحة العارمة التي عمت مشجعي النادي ومحبيه ومناصريه، ودوت أصوات الألعاب النارية وأبواق السيارات التي تخرج منها الأعلام الحمراء تعبيرا عن الفرحة والبهجة بفوز النادي الأهلي المصري بالبطولة الإفريقية الأخيرة، ورأيت جموع وجحافل الجماهير التي سهرت طوال الليل تزحف نحو المطار لاستقبال بعثة النادي عند عودتها.

حتى أنني تناهى إلى مسامعي إنشاد بعض الصغار: "يا نادي الأهلي يا أجمل نادي.. لك حبي وفؤادي".. على نفس نغمة النشيد الوطني المصري "بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي"، ورأيت الفرحة تتراقص في عيونهم -هم والكبار على السواء- عقب انتصار الفريق.


الكرة أكثر عدالة




وإذا كان الفرح بفوز النادي الأهلي حقًا لكل مشجعيه، أو كان ذلك حقًا لكل مصري، فإن ما ليس حقًا هو استبدال النادي الأهلي بالوطن والدولة، والانتماء إليه بدلا من الانتماء لمصر، ولكن يبدو أن قطاعا من بين شباب وطني قرروا دهس انتماءاتهم، وقرروا أن يستبدلوا بها انتماءات تكون فيها المنافسة أكثر عدالة وتستوي بها كفتا الميزان.

يبدو أن الانتساب إلى الكرة صار أكثر فخرا، والاهتمام بها أكثر مصداقية، والفوز أو الهزيمة فيها ممكنان، ففي كرة القدم يوجد حكم قلما يظلم، أما في حياتنا فقد عزف الناس عن الاهتمام بشتى المجالات التي نهشها الظلم وتفشى فيها الفساد والاستبداد، وهجر باقي الأنشطة التي ظلت النتيجة فيها محسومة سلفا.

يبدو أن الناس - ولو عن دون وعي - هاجرت إلى عالم تبحث فيه عن العدالة المفقودة والمنافسة الشريفة، وليس عن السلطة المطلقة وتوحد الخصومة والحكم في يد شخص واحد، ويبدو أن فرارهم إلى عوالم أخرى قد أضعف انتماءهم لعالم الواقع وآمالهم فيه.

يبدو أن الانتماء لفرق كرة القدم وأنديتها والاهتمام والمتابعة والفرحة أو الحزن والتضحية والبذل من أجلها صار اليوم أكثر حدة وأكثر بروزا من الانتماءات الوطنية والقومية، فالشاب اليوم مستعد للسفر إلى الكاميرون أو السهر حتى الصباح أمام المطار لدعم ناديه، ولكنه غير مستعد لأن يضحي برغبته ويترك المقعد في وسائل النقل نظيفا إذا ما عنَّ بباله كتابة اسمه عليه، ويبدو أنه سيكون مستعدا للمخاطرة بسلامته وحياته إذا احترق هذا النادي، ولكنه لن يكون كذلك عند احتراق مباني الدولة.


الأهلي وكيل الشباب



أيها السادة.. إن شبابنا يعلنها صراحة -بوعي أو دون وعي-: "لتحيا جمهورية الأهلي".. وهذا الشباب ليس مخنثا، وليس متخاذلا، فهو لديه مبرراته ودوافعه، سواء علمها وشعر بها أم لا، فالنادي الأهلي لم يظلمه، ولم يجلده في أقسام الشرطة، ولم يحشره في طوابير العيش ساعات كل صباح، ولم يكن مسئولا عن البطالة، ولم يشحنه في وسائل النقل العام.. باختصار.. النادي الأهلي أجمل شيء في حياته.

إننا أمام جيل يرى جلَّ انتصاراته في عالم كرة القدم، ويرى النادي الأهلي رمزه وبطله وفارسه، لقد صار انتماؤه إلى النادي الأهلي واهتمامه به أفضل مذاقا من تعليق الآمال على الأنظمة الفاسدة والمستبدة؛ فهو رمزه ووكيله الذي يخوض بدلا عنه معركة متكافئة ويفوز فيها، أما هو فلا يمكنه أن يخوض هذه المعركة، ولا يعتزم خوضها؛ لأن "الكوسة والوسطة والمحسوبية" حسمتها سلفا.

إنه شباب لم ير تقدما وعزا ولا فرحة إلا في كرة بين فريقين، ولكن المنافسة في هذا المجال عادلة، والانتصار ممكن، والظلم والفساد قليل.. فكيف نلومه؟ إنه يعارض معارضة سلبية عبر فرحته العارمة وتعمد إظهارها بهذا الشكل، وكأنه يصرخ بوجه أنظمته: "هكذا يكون النجاح".. وربما تلحظ هذا بين كلماتهم ونكاتهم التي تعبر عن ذلك؛ مثل قولهم على أحد المقاهي قبل المباراة على سبيل القفشات: "الأهلي هيفوز وهيشكل الحكومة".. "حسن حمدي رئيس الوزارة القادمة!!".

كيف نلومه عندما يخرج سعيدا مبتهجا بناديه أو (فارسه) بينما تثور بداخله مشاعر الشماتة في احتراق المجلس الذي أقر القوانين سيئة السمعة وحمى الفاسدين وتستر على المستبدين.



وطن الكبار


كيف نستغرب أوضاع التحرش من شباب تجاه مجتمعه، في حين أنه يعاني بطالة وفقرا وعوزا لم ينقذه منه مجتمعه ولم يشبع رغباته بالطرق المشروعة، إننا أمام ثورة الفردانية في التعامل مع المجتمع والدولة، وكلٌّ تصرخ نفسه بداخل: "أنا وليكن الطوفان من بعدي".

أنا لا أبرر لهؤلاء الشباب أفعالهم، ولكنني أجد أنه من الظلم المجحف تحميلهم المسئولية الكاملة وغض الطرف عن أسبابها ودوافعها.. أنا لا أقول إنهم على صواب، ولكن بأي حق أصرخ في وجوههم بأنهم مخطئون؟ ربما هم جناة، ولكن الفساد والاستبداد والقهر والغلاء صنع جريمتهم.

يبدو أننا بحاجة للتعلم من النادي الأهلي إذا ما أردنا استعادة احترامنا وانتماء هؤلاء الشباب وتصحيح الصورة، فعلينا أن نكفل الفرص المتساوية والمتكافئة، وأن نرفع يد الظلم والبطش عنه، وأن يرى حياته التي يستحقها والتي تستحقه.

ربما حينها سيشعر مجددا بحبه الجارف وحنينه لوطنه، ولن يصير حلمه الأول هو الهرب خارجه ولو في مركب صغيرة تتقاذفها الأمواج، حينما يشعر أنه يعيش في وطنه وبلده وليس بلد الكبار فسنجده يهب لإنقاذ ما يحترق من الأموال العامة ويحافظ عليها، وحينما يشعر أن صوته ذو قيمة ويصل.. عندها فقط.. لن يشمت في احتراق مجلس نوابه.

مواضيع من نفس التصنيف



0 comments:

إرسال تعليق

ليصلك جديد المدونة

ادخل بريدك الالكتروني