الاثنين، 5 مايو، 2008

لو استطاعت الجدران أن تتكلم

مثقلة هي الذاكرة بعفن السجون وعطن المراحيض واستلاب الحرية الإنسانية، بيد أن السجون في الشرق تختلف عن نظيراتها في الغرب. هنا ليست الحرية وحدها هي السليبة، هنا الأنسانية والكرامة والاحترام أيضاً كلها ضاعت وسط زحام صراع طائفي، طبقي، نخبوي وسياسي بذيء. البعض سيقول كيف يمكن التعامل مع مجرمين قتلة بأنسانية هم أنفسهم لم يفكروا بها عندما نفذوا جرائمهم متناسياً أن وسط الهراء الذي يعيشه العراق هناك العديد من القصص حيث يدفع الأبرياء فيه ثمن جرائم غيرهم كما هو تأريخ العراق وشعبه على مر العصور.
بالأمس كنت قد زرت أحد السجون في العراق كجزء من عملي الصحفي، كلفت بواجب تقاعس عنه الكثيرون لا لشيء سوى أنهم كانوا خائفين من تردي الوضع في بعض مناطق بغداد المحاصرة، أنا نفسي لم تدفعني الشجاعة قدر ما حفزتني حاسة شمي الصحفية الباحثة عن المشاكل في ركام حقوق الإنسان في الشرق.قررنا أنا وصديقي المصور أن نأخذ المسألة على عاتقنا ونتحمل نحن المسؤولية ونذهب لزيارة ذاك السجن.لحظة وصولنا -بعد قضائنا ساعتان ونصف ونحن نشق طريقنا بالكاد وسط زحام بغداد- بدا كل شيء مثالياً فوق المعتاد، بيد أنني كنت متأكداً أن خلف تلك الوجوه الضاحكة والمستنيرة هنالك سر مخفي وراء الأبواب الموصدة، على البوابة المؤدية لمبنى السجن كانت هنالك ورقة تقول: يتم تشميس السجناء كل يوم عطلة وجمعة.
داخل الردهات كان بعض السجناء يقفون قرب البوابات. صورة هزلية تعطي انطباعاً دعائياً لما يمكن أن يدعى بمفارقة "حرية السجين".مورغان فريمان في فيلم "إصلاحية سجن شاوشانك" يقول كلنا هنا –في السجن- أبرياء، ساخراً من كون السجين دائماً ما يدعي البراءة، لكن ماذا لو كان فعلاً بريئاً من التهمة المنسوبة إليه وماذا لو كانت جريمته واحدة أخرى لا صلة لها بسبب دخوله في السجن؟ وماذا لو أنه كان بريئاً بالفعل ودخل السجن؟ وماذا لو كان مجرماً بالفعل؟ كيف يمكننا التمييز بينهم وسط هذا الحشد من السجناء والقصص والتهم والأكاذيب والحقائق الذي يرزح هذا البلد تحت وطأه؟ أسئلة شتى كانت تضغط على دماغي وتصارعه وأنا أبحث مثلهم كلهم –سجناء وسجانين- عن الأجوبة.كان الكل بريئاً وكان الكل مداناً الفرق كان فقط في المتحدث وموقعه من بوابة الزنزانة. عندما أردتهم أن يتحدثوا أمام كاميرا المصور كان الكل يتحدث عن روعة المكان وكأنه قطعة من الفردوس وكانوا يلقون بالتهم على لجان التحقيق: قامت الوحدة الفلانية بضربنا، أخبرونا بأنهم سيستضيفوننا لمدة خمس دقائق وكذلك الكل محبوسين بسبب دعوى كيدية ضدهم وعدم حضور المشتكي او بسبب إخبارية "مصدر" عنهم وهو التسمية الجديدة فيما كان يعرف بوكيل الأمن في عهد ولى إلى غير ما رجعة. الكل نفس الإفادة ونفس الكلمات مع تغير الأسلوب. أحدهم شيخ في نهاية العقد الثامن من العمر راح يخبرني كيف كان يدعو ويطلب من رفاق زنزانته أن يدعو الله معه في كل ليلة أن يميته بدلاً من هذا العذاب، صادق المسجونين على قوله حينما نظرت إليهم، أخبرني أنه لم يعد خائفاً وبأنه مستعد للكلام دون خوف حتى لو أعدموه لأن العمر لم يبق فيه ما يخاف عليه ولأن الله قد تخلى عنهم ولكنه حين وقف أمام الكاميرا كان موقفه مشابهاً لزملائه، ألقى باللائمة كلها على ضباط التحقيق وبرأ إدارة السجن لكنهم خلف الكواليس كانوا يتحدثون عن حفلات التعذيب التي تقام لهم ليلياً، الشيخ البالغ من العمر 88 عاماً نفسه أخبرني أنهم ضربوه وركلوه على عجيزته رغم كل ما يثقل جسده من إمراض وعلل حتى تسببوا له بأورام فيها.شاب آخر في العشرينات من العمر ظل ينقل إصبعه بين ذراعه المليئة بالندب السوداء وبين فمه مشيراً لي بالتكتم، حينما خرج الحرس -الذين كانوا يحرصون على المجيء بين الفينة والأخرى بشكل مفاجئ لأسباب لا داعي للدخول في تفاصيلها- اقترب مني الشاب وأخبرني بأنهم جعلوا من ذراعه منفضة للسجائر يطفئونها بها كلما أرادوا استنطاقه وكان الشاب هذه المرة يتحدث عن السجن ذاته لا عن اللجان التحقيقية. واحد آخر القي القبض عليه بمجرد عودته من الأردن بتهمة القتل والإرهاب ضد شخص قتل أثناء وجوده خارج العراق –حسب ادعائه- والمصيبة أنه القي في السجن مع أبنه المراهق الذي بدا نحيلاً بشكل مرضي كأبيه. أحدهم ناولني سراً ورقة قال أن فيها رقم زوجته وطلب إيصال سلامه لها وطمأنتها عليه، أخذتها منه بدافع أنساني وقررت الاتصال وإبلاغها بأنه بخير فيما تملكتني هواجس فيما لو كان هذا الرجل إرهابي فعلاً وفيما لو كانت في كلماته شفرة يريد إيصالها، كان هذا الهاجس بعضاً من مخلفات عهد سابق للقمع لا يزال الكثير من السذج يحنون إليه مفضلين أمانه المزعوم على فوضى "رايس" الخلاقة.سرعان ما أطمأن السجناء لي وبدأوا في التحلق حولي وانطلقوا في جو من الفكاهة والضحك الذي كان على ما يبدو فرصة طيبة ليشموا فيها عبق شخص يحمل بشكل ما رائحة حرية موهومة ترقد خارج أبواب السجن بيد أنني حين أخبرتهم بأنني لم أعد أستطيع رؤية عائلتي منذ فترة طويلة بسبب التهديدات التي أتلقاها بدأوا بالضحك قائلين بأنهم جاؤوا ليشتكوا لمن هو بحاجة مثلهم للشكوى، انطلقنا في أحاديث مستمرة كانوا خلالها يقصون عليّ وأقص عليهم شتى القصص والفكاهات التي تخرجهم بعيداً عن أسوار السجن. مضت ساعة أو أكثر قليلاً كان زملاؤهم خلالها يراقبون الطريق من باب الزنزانة شربت خلالها القهوة الساخنة والحلوة –رغم أنني أحبها سادة- وتحدثت إليهم عن الوضع خارج جدران حبسهم. أدركت أن الحراس قد بدأوا يتململون من إطالة مكوثي. حين نهضت من على الأرض كان الجميع يقبلونني ويحتضنوني مودعين أياي متمنين مني البقاء معهم ومؤانستهم على سبيل المزاح. أحدهم قال لي بأنه سيوفر لي قطعة من الأرض الخالية إلى جانبه في حال عودتي فسألته أن كان السجن هو الذي يوفر الفراش أم أن علي أن أجلبه من بيتي فضحك الجميع إذ أنه كما يقال فإن شر البلية ما يضحك.خرجت من هناك وأنا أرى نظرات خبيثة في عيون أحد الضباط الذي كان واضحاً أنه لم يكن يريدني أن أتركه وأقضي وقتي مفترشاً الأرض مع السجناء.أعترف أن السجن والمستوصف التابع له والحمامات وكذلك المراحيض الفائحة برائحة البول برغم كل شيء مقارنة بغيرها من الأماكن كانت في غاية النظافة إلا أننا تعلمنا في الطفولة أيام المدرسة أن الكتاب النظيف، الجديد والأنيق قد لا يدل على مدى حرص صاحبه واعتنائه به قدر ما يدل على كسله وعدم التزامه وقراءته له.خرجت وأنا مثقل بالهموم وكأن همومي لا تكفيني وعبارة رددها مدير السجن والسجناء ولكن كل بطريقته الخاصة : أن قانون العفو قد يشمل إرهابياً في الشارع القي القبض عليه متلبساً وبحوزته كمية من المتفجرات ولكنه لا يعفو عن سارق قام ذات ليلة مظلمة بسرقة قنينة "أنبوبة" غاز. فيما أخبرني النزلاء بأن 25 متهماً ممن ألقي القبض عليهم متلبسين بحيازة أسلحة ومتفجرات وأعتده تم أطلاق سراحهم بعد ثلاثة أيام لشمولهم بقانون العفو فيما لا زالوا هم هنا يقبعون في غيابة السجن.كانت إدارة السجن لطيفة ومتعاونة إلى أبعد حد معنا وبشكل غريب ظل يثير تساؤلي، ترى أهذه ثقة البريء الذي لم يرتكب أثماً أم ثقة الجلاد المطمئن لخوف ضحاياه منه.كثيرون كانوا –حسب قولهم- من خريجي الكليات والفئات المتعلمة والذين حرموا الدراسة بسبب سجنهم، وكثيرة هي القصص التي كانت تختبئ خلف الوجوه الكالحة والمتعبة، الخائفة والقلقة المتوجسة، وكانت الجدران صامتة حد البؤس عندما خرجنا مغادرين بيد أن أمنية واحدة ظلت تعتصرني وأنا في طريق العودة لو فقط كانت لتتكلم هذه الجدران، فقط ولمرة واحدة لو استطاعت أن تنطق هذه الأسوار وتخبرني عن الشيء الوحيد الذي جئت من أجله وخرجت دون أن أجده. الحقيقة.

مواضيع من نفس التصنيف



0 comments:

إرسال تعليق

ليصلك جديد المدونة

ادخل بريدك الالكتروني